فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 321

( {لِلَّهِ} ) نقول: اللام هنا للاستحقاق، أو للاختصاص، فهذه المساجد على التفسيرين مختصة بالله جل وعلا، إذا كانت بمعنى السجود فلا إشكال، وإن كانت بمعنى بيوت الله جل وعلا فحينئذٍ نقول: هذه بيوت الله فلا يفعل فيها إلا ما يُتَقَرَّبُ به إليه جل وعلا. فلا يحل لك أن تصرف ما يُفعل في بيوت الله لغير الله جل وعلا، ولذلك لما أثبت أن المساجد لله مختصة لله بالمعبود الحق فحينئذٍ رتب عليه النفي، فقال: {فَلَا تَدْعُوا} ، أو النهي قولان، سواء كان بمعنى الـ (لا) هنا نافية، أو ناهية، والنفي أبلغ من النهي عند البيانيين، لماذا؟ لأن النهي يكون في المستقبل. لا تدعوا: في المستقبل، والماضي؟ ليس داخلًا في الكلام، لكن إذا قيل: {فَلَا تَدْعُوا} يعني لا تقع العبادة لا في زمن الماضي، ولا في زمن المستقبل. فدل على العموم، فالنفي يشمل الماضي، والمستقبل، وأما النهي فيشمل المستقبل فقط، بأن يختص بالمستقبل، ولا يدخل فيه الماضي، {فَلَا تَدْعُوا} نقول: لا هذه ناهية على الصحيح، وإذا كانت ناهية فإنها تفيد التحريم، وإذا أفادت التحريم دلت على أن الله تعالى لا يرضى المنفي، وما هو المنفي؟ دعاء غير الله جل وعلا ( {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ) (لا) نقول: ناهية، والنهي للتحريم - لأن هذا هو محل الشاهد - نقول: أن الله لا يرضى، ما الدليل؟ ( {فَلَا تَدْعُوا} ) . (لا) ناهية، والنهي يقتضي التحريم، وإذا حرَّم الله شيئًا دل على أنه لا يُحِبّه ولا يرضاه، لأن الرب جل وعلا إما أن يأمر، وإما أن ينهى، فإذا أمر حينئذٍ القاعدة العامة عند أهل العلم أنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، وإذا نهى عن شيء لا ينهى إلا عن شيء ثبتت مفسدته خالصة أو راجحة.

وإذا أمر بشيء بما مصلحته خالصة أو راجحة دل على حبه له ورضاه، وإذا نهى عن شيء سواء كانت المفسدة خالصة أو راجحة فحينئذٍ دل على أنه لا يحبه ولا يرضاه. فلما قال: ( {فَلَا تَدْعُوا} ) . تقول: هذا نهي، والنهى يقتضى التحريم فدل على أن الله تعالى لا يرضى، ولا يحب أن يشرك معه أحد في عبادته، فهذا نهي عام لجميع الخلق.

( {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ} ) تدعوا هذا مشتق من الدعاء، والدعاء هنا إما أن يُفسر بالعبادة، وإما أن يُفسر بأنه نوع وفرد من أفراد العبادة، إما أن يفسر بالعبادة، لأنه جاء في الحديث «الدعاء هو العبادة» . ( {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ) كأنه قال: فلا تعبدوا مع الله أحد، وهذا لا إشكال فيه، أن العبادة كلها لا يجوز صرفها ولا بعض أفرادها لغير الله جل وعلا، هذا إذا فسر الدعاء بمعنى العبادة، ولذلك جاء قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60] {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي} أمر بالدعاء، ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} . هو الذي أمر به أولًا فدل على أن الدعاء هو العبادة، وهذا لا إشكال فيه، أن يُعَبّر بالدعاء عن العبادة، لماذا؟ لأن الدعاء نوعان عند أهل العلم:

-دعاء مسألة.

-ودعاء عبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت