إذًا النبي مرسل، ولذلك اختلف أهل العلم هل الرسول هو النبي، والنبي هو الرسول؟ قولان: بعضهم من يرى الترادف بينهما، والجمهور على التفريق، واختلفوا في الفرق بينهما وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يجعل النبي من أُرسل إلى قوم موافقين، والرسول من أرسل إلى قومٍ مخالفين، بمعنى أنه جاء بشرع جديد، والنبي جاء بشرع من قبله، إنما أُرسل ليجدد الشريعة ويتمم الشريعة، وأما الرسول فقد جاء بشرع ناسخ لما قبله. هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وبعضهم يرى أن الرسول هو النبي، والنبي هو الرسول، والجمهور على التفريق ولذلك قالوا: كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، لأن النبوة تثبت بالوحي، سواء كان الوحي شريعة موافقة لمن سبق الرسول الذي سبق، أو شريعة جديدة، فأُوحي إليه، حصلت النبوة، ولذلك سيأتي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبىء باقرأ، وأرسل بالمدثر.
(لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) نقول: ضرب المصنف مثالين لبيان نفي الشريك لله، ولم يقصد الاستيعاب قطعًا هذا، لم يقصد أن الشرك لا يكون شركًا إلا إذا صُرِفَت العبادة إلى هذين النوعين فقط، وإذا صُرفت إلى الصنم، والشجر، والشمس، والقمر فهو ليس بشرك، لو [حُصِرَ المثالين في أو] [1] حُصِرَ الشرك في هذين النوعين لصار صرف العبادة لغير هذين النوعين ليس شركًا، وهذا فاسد، ليس مراد المصنف هذا، ولم يقصد الاستيعاب، بل إذا لم يرض هذين النوعين وهم المقربون فغيرهما من باب أولى وأحرى.
إذًا الله جل وعلا (لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) .
ما الدليل على أن الله تعالى لا يرضى الشرك؟
قال:
(وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى.(وَالدَّلِيلُ) يعني على أن الله لا يرضى الشرك (قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ) ، ( {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ} ) ، هذا تأكيد، المساجد جمع مسجد، وللمفسرين في تفسير المساجد هنا قولان: قيل المساجد جمع مسجد والمراد به السجود أو أعضاء السجود، وقيل: المساجد وعليه الجمهور بيوت الله جل وعلا التي تبنى للصلاة والذكر والاعتكاف والتلاوة، {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ} نقول: المساجد جمع مسجد، ويقصد به السجود أو أعضاء السجود، أو المساجد التي هي ما بُنِيَ للصلاة والعبادة والتلاوة والاعتكاف ونحو ذلك، ولذلك جاء في الحديث: «إن هذا المسجد لا يصلح لشيء من ذلك، إنما بني لذكر الله تعالى وللصلاة» . كما جاء في حديث بول الأعرابي.
وأن المساجد لله إذا فسرت المساجد بأنها السجود أو أعضاء السجود فهو عبادة، ولا شك، فهو عبادة فلا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا، ولذلك قال: ( {لِلَّهِ} ) . اللام هنا للاستحقاق، وإذا فُسِّرَت المساجد ببيوت الله جل وعلا حينئذٍ نقول: بيوت الله يُفعل فيها أمران:
أولًا: دعاؤه جل وعلا.
وثانيًا: التعبد له بأنواع العبادة.
(1) سبق.