نقول: هذان النوعان داخلان في قوله: (أَحَدٌ) ، ويشملهما النفي، وهو أن الله تعالى لا يرضى أن يشرك معه أحد، وفسرنا (أَحَدٌ) هنا بكائن من كان، فيدخل فيه الملك المقرب والنبي المرسل، لكن هذا من باب ضرب المثل، لأن باب المعتقد باب الإيضاح، وليس باب إجمال وإلغاز، إنما يكون من باب الإيضاح لا بد من ذكر هذه المسائل لأن يقرأها العاميّ والعالم وطالب العلم، حينئذٍ لا بد أن توضح المسائل على أصولها.
فقوله: (لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ) . يعني عنده جل وعلا، (وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) نقول: هذا ضرب لمثلين هما أعظم الخلق عند الناس، أعظم الخلق عند الناس الملائكة والرسل. الملائكة قال: (مَلَكٌ) هذا مأخوذ من الأَلُوكَة وهى الرسالة حينئذ يكون الْمَلَك، المراد به الرسول أو المرسَل لأنه مأخوذ من الألوكة وهى الرسالة، فالملك هو المرسَل، والملائكة جنس خلقهم الله جل وعلا من نور ووَكَّلَ بهم أعمالهم، وهؤلاء مطهرون منزهون مكرمون معظمون عند الخلق، فإذا أراد من أراد الشفاعة، أو أراد أن يتقرب إلى الله عز وجل، وقاس الخالق على المخلوق بأنهم اتخذوا وسائط وشفعاء، فحينئذٍ لا يتخذ من؟ يتخذ ذلك الذي لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة؟ أم يتخذ هذا المعظم عنده في ظنه؟ لا شك الثاني لأنه يتخذ هذا الْمُنَزَّه الْمُطَهّر وهو الْمَلَك. كذلك الرّسُل الذين اصطفاهم الله عز وجل فهم منزهون مطهرون عند الخلق، فحينئذٍ إذا أراد أن يتوجه متوجه بشفاعةٍ، أو جلب نفع أو دفع ضر، فإنما يتخذ الرسل وسائط، فإذا كان هذان النوعان نُفِيَا عنهم الشرك مع الله جل وعلا، لا يجوز أن يُصرف إليهم شيء من العبادة مهما كان، فغيرهم من باب أولى وأحرى. إذًا هذا ضربٌ للمثل بالأعلى ليُنفَى صرف العبادة لمن دونهم من باب أولى وأحرى، (لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ) مقرب هذا صفة للملك، يعنى عنده جل وعلا. وهذا من غير جنسنا، ليس من البشر الملائكة. (وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) وهذا من جنسنا.
(نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) هنا أخبر عن النبي بكونه مرسلًا، وهل النبي مرسل؟ نقول: نعم، لا شك أن النبي مرسل، لكن المراد بالإرسال هنا الإرسال العام، فالرسول يصدق على النبي ولكن صدقه عليه بالمعنى الأعم، لأن النبي مرسل والرسول مرسل، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] . {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} فالرسول مرسل، والنبي كذلك مرسل. فدلت هذه الآية مع قوله جل وعلا: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] . فالنبي إذًا مبعوث بالنذارة والبشارة، ومبعوث بمعنى أنه مرسل.