وقوله: (أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي) . (فِي) قلنا: هذه ظرفية (عِبَادَتِهِ) عَلّق الشرك هنا بالعبادة، (فِي عِبَادَتِهِ) جار ومجرور متعلق بقوله: (يُشْرَكَ) . إذًا الشرك هنا خاص بالشرك في العبادة، والعبادة مأخوذة من التذلل والخضوع، يقال: طريق معبد. أي مذلل، يعني وَطَّأَتْهُ الأقدام وذَلَّلَتْهُ بكثرة المشي عليه. وأما في الاصطلاح فلها نظران:
ينظر إلى العبادة من حيث كونها عبادة، يعني بمعنى التعبد، المعنى المصدري. حينئذٍ تفسر بالتذلل والخضوع لله بالطاعة، نقول: هذا مُتَعَبِّدٌ لله بمعنى أنه متذلل لله تعالى بالخضوع والذل. وإما أن يُنظر إلى الآحاد والأفراد، يعني أنواع العبادة، وهذا ما يصدق عليها تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فهذا التعريف يصدق على المتعبَّد به يعني الذي تعبد لله عز وجل به، ماذا تصنع؟ ماذا تفعل؟ الذل والخضوع هذا محله القلب ويظهر على البدن، وأما المتعبَّد به فهو أفراد العبادة.
ولذلك العبادة توقيفية لأن مبناها على رضى الرب جل وعلا وحبه لهذا الفرد، ورضا الرب وحبُّه غيب، أليس كذلك؟ إذا كان الرب جل وعلا يرضى عن هذا القول، فإذا رَضِيَ عنه صار عبادة، وإذا أحبه صار عبادة، فحينئذٍ إذا أمر به نقول: قد رَضِيَ عن هذا القول وهذا العمل ولذلك أمر به فأحبه جل وعلا.
وحينئذٍ قال أهل العلم: العبادات توقيفية بمعنى أنها موقوفة على السماع، والسماع إنما يكون من الوحيين، يعني من الكتاب والسنة، ولذلك لا تثبت العبادة لا بالعقل ولا بالهوى ولا بالقياس، وأدلة إثبات العبادة في الجملة في الأصل: الكتاب والسنة والإجماع. وأما القياس فلا دخول له في باب العبادات في إثبات عبادة، وأما في فهم عبادة يكون في أثناء العبادة، هذا لا إشكال فيه أنه قد يكون بالقياس.
في عبادته عرفنا معنى العبادة هذه العبادة الأصل أنها مُسْتَحَقَّة لله جل وعلا، إفراد الله جل وعلا بالعبادة معناه أن الرب سبحانه هو المألوه، المعبود، المستحق لأن يُفرد وحده جل وعلا بالعبادة دون ما سواه، فإذا صرف العبادة كلها أو صرف شيئًا من العبادة لغير الله، حينئذٍ نقول: قد أشرك مع الله.
فالدعاء عبادة، فإذا دعا غير الله نقول: قد صرف العبادة لغير الله. الاستغاثة عبادة، أليس كذلك؟ والاستعانة عبادة فحينئذٍ نقول: إذا صرف هذه العبادة لغير الله فقد اتخذ مع الله شريكًا وقد وقع في الشرك الأكبر. قال حافظ حكمي:
وصرف بعضها لغير الله ... شرك وذاك أقبح المناهي
يعني العبادة صرف بعضها لغير الله جل وعلا فضلًا عن كلها شركٌ أكبر وهو أقبح المناهي.
(أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) . هذا ليس داخلًا في قوله: (أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ) . (أَحَدٌ) هذا يشمل الْمَلَك ويشمل النبي والرّسل. نقول: هنا لماذا نصَّ المصنف رحمه الله على هذين النوعين؟