فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 321

هنا المصنف رحمه الله تعالى عنى نوعًا واحدًا من أنواع الشرك لأنَّ عموم البلوى في زمنه وفيما سبقه وقع فيه، وهو الشرك في الإلوهية، ولذلك جعل الشرك أو جعل العبادة ظرفًا لهذا الشرك، فقال: (أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ) . هذا خاص بماذا؟ بالشرك في الإلوهية، هل معنى ذلك أن الربوبية لا يقع فيها شرك؟ الجواب: لا. هل لازم ذلك أن الشرك لا يقع في الأسماء والصفات؟ الجواب: لا. لِمَا خصّ المصنف الشرك هنا في العبادة؟ لأنه هو الذي كان في زمنه وعموم البلوى منذ أن بعث الله الرسل إلى أن تقوم الساعة في هذا النوع، ولذلك قلّ من نازع في شرك الربوبية وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.

(أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ) ، (أَحَدٌ) هذه نكرة في سياق النفي فيعمّ كائنًا ما كان لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، لا جماد ولا حيوان، لا صنم ولا شجر ولا جبل ولا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار، كل ما يمكن أن يقع أو يُصرف له شيء من العبادة فهو منفي بقوله: (أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ) فأحد هنا نكرة في سياق النفي فيعمّ كل من كان يتصور أن يقع له أو يصرف له شيء من العبادة.

(أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ) . قال: (مَعَهُ) . وهل يُشرك دونه؟ هل يتصور هذا؟ (أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ) لأن من يعبد غير الله، أو من يصرف شيئًا لغير الله إما أن يكون قد توجه بالعبادة لله جل وعلا، يعني اعترف بكون الربّ معبودًا له فعبده، وصرف شيئًا من العبادة لغيره.

إذًا له معبودان: الرب جل وعلا فقد اتخذه معبودًا، والشريك الذي جعله مع الله جل وعلا. وقد يصرف العبادة لغير الله جل وعلا ويكون مُنكرًا لربوبية الرب جل وعلا، وكونه إِلَهًا معبودًا، فحينئذٍ نقول قوله: (أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ) . إذا كان ذلك الذي صرف العبادة لغير الله قد عبد الله تعالى واتخذه إلهًا معبودًا ولكنه وقع في الشرك بسبب صرف شيءٍ من العبادة لغيره جل وعلا، الله سبحانه لا يرضاه، فكيف إذا صرف العبادة كلها لغير الله جل وعلا؟ من باب أولى وأحرى أن الله تعالى لا يرضاه، ولكن لم يذكره المصنف لماذا؟ لأن غالب المشركين إنما يتخذون آلهة مع الله، وقلَّ أن يوجد من ينكر ربوبية الرب جل وعلا وكونه إِلَهًا معبودًا، إلا ما ذكر من الماسونية الثانوية، وأيضًا فرعون، لكن كما ذكرناه سابقًا أنه كان من باب الاستكبار: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] وأخبرنا العليم الخبير قال: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] . إذًا استكبار، ليس له حقيقة، فلو سُلِّمَ جدلًا بوجوده نقول: المصنف هنا رحمه الله نفى رضا الرب جل وعلا عمن عبده من عباده سبحانه وعبد معه غيره، فمن باب أولى وأحرى أن من صرف العبادة كلها وأنكر كون الرب جل وعلا معبودًا أن الله تعالى لا يرضاه، وهذا هو الملحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت