فحينئذٍ (مَعَ جَوازِ قَصدِهِ) الضمير هنا يعود إلى المعنى الأصلي، (مَعْهُ) الضمير يعود إلى اللَّازم، حينئذٍ يراد باللفظ المعنيان: المعنى الأصلي، والمعنى اللَّازم، لكن هو مستعملٌ أصالةً في المعنى اللَّازم لا في المعنى الأصلي، هذا المراد به هنا.
أي: يُراد ذلك المعنى مع لازمه، مثل: طَويل النِّجَاد -بكسر النون-: حمائل السيف، طَويل النِّجَاد وكثير الرَّمَاد، والمراد بهما لازم معناهما وهو طول القامة وكونه مضيافًا، إذا قال: زيدٌ كثير الرَّماد، قال: هذا أُطلِق اللَّازم، والأصل فيه أنَّه أراد الكرم، لماذا؟ لأنه إذا كان كثير الرَّماد .. كان كثير الإشعال .. كان كثير الطَّبْخ .. كثرة القدور .. كثرة الذَّبْح .. كثرة الضيفان، كريم النتيجة.
حينئذٍ هذه كلها المقدمات واللوازم من أجل الوصول إلى أنه كريم، حينئذٍ أطلق اللفظ: كثير الرَّماد .. زيدٌ كثير الرَّماد، حينئذٍ المعبِّر أو المُتَكلِّم يطلق اللفظ: كثير الرماد يريد أنَّه كريم، مع الإشارة إلى المعنى الحقيقي وهو أنَّه بالفعل الرَّماد كثير، حينئذٍ أراد اللفظ لكنَّه ليس أصالةً، مدلول اللفظ: كثير الرَّماد: كثْرَة الرَّماد حقيقية، لكنها ليست مُرادةً بالأصالة وإنما هي مُرادة بالتَّبَع، فأطلق كثير الرماد، كنَّى به عن الكرم وهو اللَّازم لكثرة الرماد، لأنه إذا كان كثير الرَّماد كان كثير الطَّبخ، وإذا كان كثير الطَّبخ كان كثير الأكلة، وإذا كان كذلك حينئذٍ صار مِضْيافًا، إذًا: هو كريم.
فأطلق اللفظ وأراد به اللَّازم، وهو الكرم، ولا مانع أن يراد به مدلوله الُّلغوي، بأنه كثير الرَّماد بالفعل، مع جواز إرادة حقيقة هذين اللفظين أيضًا.
طويل النِّجَاد، النِّجَاد قالوا: حمائل السَّيف .. السيف يوضع على الكتف مثلًا إلى آخره، وتكون حمائله يعني: التي تَحملهم طويلة، وهذا يلزم منه طول القامة، فإذا قيل: طويل النَّجاد، أي: حَمائل السَّيْف هذا لا تكون طويلة مع القصير! القصير؟؟؟ في الأرض وهو طويل، حينئذٍ إذا قال: طويل النِّجاد، أي: طويل حَمائل السَّيف، لزم منه أنَّه طويل القامة، فَكنَّى عن طول القامة بطويل النِّجاد، ولا مانع أن يكون كذلك، أراد به حمائل السيف. وهو طول حمائل السيف وكثْرة الرَّماد.
إذًا: زيدٌ طويل النِّجاد، المراد به لازم معناه، وهو طول القامة، بدلًا من أن يقول: زيدٌ طويل القامة، كَنَّى قال: طويل النِّجاد، ويَجوز مع ذلك إرادة طول النِّجاد الذي هو المعنى الحقيقي للفظ، وبهذا القَيد وهو جواز إرادة المعنى الحقيقي للفظ فارقت الكِنَايَة المجاز .. صار بينهما فرقٌ، لأنه لا بُدَّ من كون القرينة فيه مانعةً عن إرادة المعنى الحقيقي، حينئذٍ أطلق اللفظ في المجاز وأريد في بعض القرائن: لازم معناه، لكن لا بُدَّ من نَصْب قرينةٍ تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.