فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 828

حينئذٍ يَمتنع حَمْل اللفظ في التركيب المجازي على المعنى الحقيقي: رأيت أسدًا يرمي، يَمتنع حَمْل الأسد على الحيوان المفترس، مع كون اللفظ هنا أطلق ولم يُرَدْ به معناه الحقيقي، وإنما أريد به الرجل الشجاع، فيحمل على الرجل الشجاع ولا يجوز أن يلاحظ المعنى الحقيقي، بل لا يَجوز حمله على المعنى الحقيقي مع وجود القرينة المنصوبة لمنع ذلك المعنى، فقوله: يرمي، هذه قرينة تَصْرِف اللفظ عن إرادة المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، هنا في الكِنَايَة لا .. يُطلق اللفظ ويراد به غير معناه في لسان العرب الموضوع له ويُراد به شيءٌ آخر، ككثير الرَّماد ما وضع للكريم، هل وضع للكرم؟ لم يوضع للكرم .. ليس من مدلوله اللغوي، لكنَّه دَالٌ على خارجٍ عنه لازمٍ له، وهو حقيقة الدَّلالة الالتزاميَّة وهي دلالة عقلية.

حينئذٍ وُضع اللفظ ودُلَّ على معنى حقيقي لزم منه معنىً خارجٍ عن مدلول اللفظ الموضوع له في لسان العرب، أطلق اللفظ ابتداءً وأُريد به اللَّازم، لو مُنِع من حَمْله على المعنى الحقيقي صار مَجازًا، مع التَّجوِيز أن يُراد به المعنى الحقيقي كذلك مع اللَّازم، حينئذٍ صارت هذه كناية.

إذًا: بهذا القيد فارقت المجاز، لأنه لا بُدَّ من كون القرينة فيه مانعةً عن إرادة المعنى الحقيقي، ولذلك سُمِّي كناية، لأن فيها إخفاء، وسُمِّي هذا النوع كناية لِمَا فيه من إخفاء وجه التَّصرِيح، فيصح في الكِنَايَة حينئذٍ إرادة اللَّازم والملزم معًا، الملزوم المراد به هنا المعنى الحقيقي، كثير الرَّماد .. الرَّماد نَفسُه كثير هذا ملزم، لماذا كثير الرَّماد؟ قد يكون يلعب، لكن ليس المراد هنا، وإنما المراد به إشارة إلى معنىً، وهو كونه كريمًا، لكن لم يوضع هذا اللفظ للدلالة على الكرم، وإنما وضع للدَّلالة على الرَّماد الكثير بنفسه.

فإذا أُطلق كثير الرَّماد حينئذٍ يراد به معنيان: الملزوم وهو كثرة الرَّماد، ويراد به لازمه وهو الكرم، إلا أنَّ الثاني هو المراد أصالةً في الكِنَايَة، فإرادة اللَّازم أصلٌ، وإرادة المعنى الأصلي بتَبعيَّة إرادة اللَّازم ..

إرادة اللَّازم أصلٌ هي المرادة في باب الكِنَايَة، وإرادة المعنى الأصلي الذي وضع له اللفظ أصالةً في لغة العرب بتَبعيَّة إرادة اللَّازم، وإن كان الأصل في لسان العرب العكس هذا الأصل: أن يستعمل اللفظ في مَلزومه ويُكنَّى به عن لازْمه، لكن ليس هذا المراد هنا، وإنما هو العكس.

ولِيَنتقل منه، يعني: من الملزوم إلى اللَّازم، إذ فيه فائدة لأنه إذا لوحظ فيه المعنيان .. المعنى الأصلي، حينئذٍ أول ما يَتبَادَر إليه المعنى الأصلي الذي هو الملزوم، ثُمَّ بعد ذلك يسأل نفسه: لماذا كثُر الرَّماد؟ فينتقل إلى الكرم، إمَّا بواسطة أو بدون واسطة.

إذًا: إرادة اللَّازم أصلٌ وإرادة المعنى الأصلي بتَبعيَّة إرادة اللَّازم، ولينتقل منه، يعني: من المعنى الملزوم إلى اللَّازم.

والممنوع هنا في باب الكِنَايَة هو الجمع بين المعنى الأصلي ولازمه على وجهٍ يكونان مقصودين استقلالًا، لا على وجه أن يكون أحدهما تابعًا للآخر ووسيلةً إلى قصده وفهمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت