وقال في (الإيضاح) :"فإن كان الحذف والزيادة لا يوجبان تغيير الإعراب"قد يَحصل حذفٌ ولا يتغيَّر الإعراب: ورُبَّ ليلٍ .. وليلٍ، حذفت (رُبَّ) وبقي الجَر، إذًا: الحذف هنا أثر في الإعراب؟ لا، هل يُسمَّى مَجاز؟ لا، لا يُسمَّى مَجاز لكونه لم يَحصل تغيير، وهنا قال: (ومنهُ ما إعرابُهُ تَغَيَّرا) هذا لم يَتغيَّر أعرابه، بل بقي على ما هو عليه.
(( فَبِمَا رَحْمَةٍ ) ) [آل عمران:159] فبرحمةٍ، تَغيَّر الإعراب؟ لم يَتغيَّر، زيدت كلمة؟ زيدت كلمة، لم يَتغيَّر، هل هو مَجاز؟ الجواب: لا، إذًا: ليس كل حذفٍ يكون مَجازًا، وليس كل زيادةٍ يكون مَجازًا، بل لا بُدَّ من تغيير الإعراب، لأنه قد تحذف الكلمة .. الاسم أو الحرف ولا يَتغيَّر الإعراب، وقد تزاد كلمة اسمًا أو حرفًا ولا يَتغيَّر الإعراب.
ولذلك قال في (الإيضاح) "فإن كان الحذف وزيادة لا يوجبان تغيير الإعراب كقوله تعالى: (( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ) ) [البقرة:19] "هذا مَرَّ معنا، أصله: كمثل ذوي صيبٍ، (أَوْ كَصَيِّبٍ) حذفت (مَثَل) و (ذوي) وبقي الإعراب كما هو، إذًا: لا أثر للحذف هنا، لأن الأصل: كمَثَل ذوي صَيبٍ، بدلالة ما قبله عليه، يعني: الآية السابقة.
وقوله: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) ) [آل عمران:159] وقوله: (( لِئَلَّا يَعْلَمَ ) ) [الحديد:29] (لا) النَّافية هنا، لأن يعلم .. (لِئَلَّا يَعْلَمَ) زيدت (لا) وهي زائدة، هل أثرت في الإعراب؟ الجواب: لا، هل هو مَجاز؟ الجواب: لا، فلا توصف الكلمة معه بالمجاز، هنا نص على أنَّ الوصف للكلمة.
وذلك لأن مدار هذا النوع من المجاز على أصلٍ واحدٍ، وهو أن تُكْسَى الكلمة - انتبه! الكلمة - حَرَكة غير حركتها لأجل - بسبب ولذلك قال: (بِحَذفِ) يعني: بسبب حذف - لأجل حذف كلمةٍ لا بُدَّ من معناها، أو لأجل إثبات كلمةٍ مستغنىُ عنها استغناءً واضحًا.
والشيخ عبد القاهر الجُرْجَاني - رجل كبير عندهم - قد بالغ في النكير على من أطلق القول بإطلاق المجاز على الكلمة بالحذف والزيادة، يعني: هذا النوع عنده لا يُسمَّى مَجازًا، عبد القاهر الجُرْجَاني وهو من العُمَد في هذا الفن لا يرى أنه .. بل بالغ في الإنكار أن يُسمَّى الحذف يعني في قوله: (القَرْيَة) وكذلك (كَمِثْلِهِ) لا يُسمَّى مجازًا.
لكن لو نظرنا في المعنى المطابق للمجاز ما كان فيه تغيير كالمضاف إليه إلى المضاف لا شَكَّ أنه استعمل في غير ما وضِع له، حصل فيه استعمالٌ للفظ في غير ما وضع له، لأن دلالة الكلمة وهي مضافة أو مضاف إليه ليست كدلالتها فيما إذا أطلقت عن إضافة، فهنا الاستعمال وإطلاق اللفظ في معنىً غير المعنى كان في أصل التركيب واضح بين.
وأما فيما إذا زيد ولم يَتغيَّر، لأن الحرف الزائد يبقى الإعراب في المحل: (( مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ ) ) [المائدة:19] (بَشِيرٍ) فاعل كما هو، وإنما أثَّرت من هنا في اللفظ، فزيادتها ليس فيه تغيير، إلا إذا قيل: بأنَّه استعمل (مِنْ بَشِيرٍ) في معنىً غير مؤكَّد في معنىً مؤكَّدٍ، وحينئذٍ له وجهٌ من هذا القبيل.