نقول: هذا مما استثني، ولا يُحكم عليه بكونه غير فصيح لضعف التأليف، إذن: متى يكون الضمير .. متى يحكم على الكلام بكونه غير فصيحٍ في مسألة عود الضمير وعدمه؟ نقول: إذا عاد الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً وحكمًا، حكمًا هذا على الخلاف في ضمير الشأن، ثلاثة أشياء:
أن يعود على متأخرٍ لفظًا ورتبةً وحكمًا، إذن: إذا عاد على متقدّمٍ لو كان المرجع متقدمًا لفظًا أو رتبةً معنىً أو حكمًا هل هو ضعيف؟ الجواب: لا، هذه المسألة هذا محلّها."ضرب زيدٌ غلامَه"غلامه، أين مرجع الضمير؟ زيد، ما حكمه؟ على الأصل أحسنت. لا كلام، فنقول: ضرب زيدٌ غلامه، الضمير يعود على زيد، وهو فاعل متقدم في الرتبة؛ لأن الضمير اتصل بالمفعول به، وهو متقدم في اللفظ جاء الأصل لا إشكال، هذا فيما إذا تقدم المرجع لفظًا ورتبةً فلا ضعف، لو تقدَّم لفظًا فقط أيضًا لا ضعف: (( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) ) [البقرة:124] وإذ ابتلى: فعل ماضي، إبراهيمَ: مفعول به، ربُّهُ: فاعل، اتصل بالفاعل ضميرٌ يعود على إبراهيم الذي هو متقدمٌ لفظًا متأخرٌ رتبًا.
إذن: عاد الضمير هنا على متقدّمٍ في اللفظ فقط، ليس هو كالمسألة السابقة: ضربَ زيدٌ غلامَه، عاد الضمير على متقدّمٍ في اللفظ في النطق وفي الرتبة، لانه جعل محله، أما هنا فلا: (( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ) [البقرة:124] أصله: وإذ ابتلى ربه إبراهيم، هنا لو أبقينا اللفظ على ظاهره، أو بُقي اللفظ على ظاهره لعاد الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبًا، فقُدّم المفعول به وأُخّر الفاعل وجوبًا، لماذا؟ حتى لا يعود الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً، وإن عاد على متقدم في اللفظ متأخِّرٍ في الرتبة.
إذن: (( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ) ) [البقرة:124] عود الضمير في اللفظ على المتقدم إبراهيم، وفي الرتبة على المتأخر الذي هو محلّه، المعنوي، قالوا: كأن لا يتقدم لفظٌ صريح، وإنما يتقدم .. ضربَ غلامُهُ زيدًا، ما حكمه؟ على متأخر لفظًا ورتبةً، ضربَ غلامَهُ زيدٌ. ضرب غلامَهُ، ضرب: فعل ماض، غلام: مفعول به، والضمير هنا متصل بالمفعول به يعودُ على الفاعل، والفاعل متقدم هنا، لماذا؟ لأن الفعل يتعيّن أن يكون بعده فاعل، لذلك قال ابن مالك:
وبعد فعلٍ فاعلٌ فإن ظهر فهو وإلا فضمير استتر
وإلا: وإن لم يظهر، فضمير استتر، إذن: ضرب لا بد تبحث عن الفاعل، أين هو؟ إن كان ظاهرًا فلا إشكال، وإن لم يكن فهو مستتر، ضربَ غلامَهُ: الضمير يعود على الفاعل المتقدِّم في الرتبة، ليس عندنا لفظه هنا، لكنه عاد على المتقدم في الرتبة، متأخرٍ في اللفظ، ضربَ غلامه زيدٌ، زيدٌ ما إعرابها؟ فاعل، وهنا الفاعل تأخرَ في اللفظ، ورتبته التقديم، تقدّمَ المفعول به واتصل به ضمير يعود على الفاعل المتأخر، هذه ليست كالمسألتين السابقتين: (( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ) ) [البقرة:124] اتصل الضمير بالفاعل، وهنا اتصل الضمير بالمفعول به، مع تأخر الفاعل، ضرب غلامه، نقول: هنا تقدَّمَ المرجع، لكنه في الرتبة والمعنى لا في اللفظ.