فالوصف هنا بالمجاز هل هو للإعراب أو للكلمة؟ الذي يَحتمل أنه وصفٌ للإعراب، ويَحتمل أنَّه وصفٌ للكلمة، وقيل بهذا وذاك، لكنَّ الصحيح أنَّه وصفٌ للكلمة، المجاز كلُّه حقيقته وما أُطِلق من باب التَّوسُّع إنَّما هو وصفٌ للألفاظ، لماذا نقول هذا؟ لأنَّنا نُقَسِّم الكلام إلى قسمين، ما حَدُّ الكلام؟ اللفظ المفيد.
إذًا: المجاز لا بُدَّ أن يكون لفظًا مُفيدًا، لأنَّه نوعٌ للكلام فلا بُدَّ من أخذ الكلام جنسًا في حدِّه، حينئذٍ إذا لم يكن لفظًا خرج عن كونه كلامًا، وخرج عن كونه قسمًا للكلام، فلذلك كل وصفٍ بالمجاز أو الحقيقة فهو وصفٌ للفظ، سواءٌ كان اللفظ مفردًا أو مركَّبًا.
حينئذٍ نقول: نشترط هذا لكون الوصف هنا مُتعلِّقًا بنوعٍ من أنواع الكلام، والكلام لا يكون كلامًا إلا إذا كان لفظًا، حينئذٍ الأصّح أن يُقال: كل كلمةٍ، فقوله (ومنهُ ما) أي: كلمةٌ، أو لفظٌ تَغَيَّر إعرابها بحذف لفظٍ أو زيادة.
مثال الحذف قوله تعالى: (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) ) [يوسف:82] هم يمثِّلون بقوله (( وَجَاءَ رَبُّكَ ) ) [الفجر:22] لكن نحن نقول: هذا باطل، ولو قلنا بالمجاز .. بوجوده في القرآن واللغة على الصَّحيح، إلا أنَّ آيات الصِّفات لا يدخلها المجاز البتَّة، والقول بدخول المجاز في آيات الصِّفات قولٌ باطل ومُحدث وهو بدعة وليس من قبيل الاجتهاد، وهذا محل وفاقٍ لإجماع السَّلف على أنَّ المراد بآيات الصِّفات حقائقها.
ثانيًا: لإجماع المجازيين بأنَّه لا يُحمل اللفظ على معناه الثَّانوي إلا بوجود قرينة ولا توجد قرينة هنا.
وَحَيْثُ مَا اسْتَحَالَ الأصْلُ يُنْتَقَلْ ... إلى المجَاز. . . . . . . . . . . . . . . .
(حَيْثُ مَا اسْتَحَالَ الأصل) يعني: الحقيقة، وهنا لا يستحيل (( وَجَاءَ رَبُّكَ ) ) [الفجر:22] لا يستحيل أن يُحمل على معناه الحقيقي وهو المجيء، (( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ) [المائدة:64] لا يستحيل أن يُحمل على اليدين الحقيقيتين فتضاف إلى الرب جل وعلا، وإنَّما جاءت القرينة العقلية لفساد عقولهم، لأنَّهم تَخيَّلوا أوهامًا بأنَّ ظاهر النُّصوص هو التَّشبِيه والتَّمثيل وهذا باطل.
حينئذٍ القول برد المجاز لرد بدعة المعتزلة والأشاعرة وغيرهم هذا فيه ضعف، لأنَّ القول بالمجاز فرعٌ لا أصل، هو أولًا فهم (( بَلْ يَدَاهُ ) ) [المائدة:64] لم يفهم إلا هذه اليد، نقول: لا، أولًا قبل أن تصرف: فهمُك لهذه اليد .. هي هذه اليد، نقول: هذا فهمٌ باطل، لأنَّك تقول (( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ) [المائدة:64] وتضع بجوارها القاعدة الكليَّة: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ) [الشورى:11] كما أنَّ لك سمع ولك بصر، وأردف هذه الآية بجزئها الأول (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ) [الشورى:11] ثُمَّ قال: (( وَهُوَ السَّمِيعُ ) ) [الشورى:11] إذًا له سمعٌ ليس كسمع البشر، وله بصر ليس كبصر البشر.
إذًا: ليس عندنا شبهه، أمر واضح جدًا ولا نحتاج إلى أن نرد المجاز من أجل أن ندفع بدعة المبتدعة.