والتَّجَوُّز إنَّما هو في مجموع ذلك اللفظ المركَّب لا في شيءٍ من مفرداته، فهي باقية على حالها قبل التَّجوُّز من كونها حقيقةً أو مَجازًا، يعني: إن انْتُقِل من لفظ المركَّب وهو مجازٌ في الدَّلالة على معنىً .. على صورةٍ وشُبِّه به صورةٌ أخرى، حينئذٍ يُعْتَبر اللفظ كما هو.
كما أنَّه اسْتُعْمِل في الدَّلالة على الصورة الأولى من حيث التَّركيب وهو مجاز من حيث المفردات كذلك اسْتُعْمِل في المشبَّه من حيث التَّركيب، ومن حيث المفردات تكون مَجازًا، إذًا: لا يُبَدَّل ولا يُغَيَّر، إن كان في الصورة الأولى المفردات حقائق فهي كذلك في الصورة الثانية، والعكس بالعكس .. إن كان مَجازًا فكذلك مَجاز.
فلم يكن في (تُقَدِّم وَتُؤَخِّرُ) استعارةً تَبعيَّة ولا في (رِجْلًا) استعارةً أصلية، فوجه الشَّبه وهو الإقدام تارة والإحجام أخرى مُنتَزَع من عِدَّة أمور.
ويسمى هذا المجاز -المجاز المركب- بـ (التَّمْثِيلْ) مُطلقًا، يعني: دون قيد، يُقال: هذا تمثيلٌ، أي: من غير تقييدٍ بقولنا على سبيل الاستعارة، وبعضهم يُعَبِّر بِهذا: تمثيل على سبيل الاستعارة، لأنَّ وجه ادِّعاء أن المشبَّه من جنس المشبَّه به هذا هو وجه الاستعارة.
ويَمتاز عن التَّشبيه بأنَّه يُقال له: تشبيه تمثيلٍ بالإضافة، أو تشبيهٌ تّمثيليُّ بالتَّوصيف، يعني: يُعَبَّر عنه بهذا ويُعَبَّر عنه بهذا، فيقال: فيه تمثيل، وتشبيه تمثيلٍ، وتشبيهٌ تمثيليٌّ بالتَّوصيف .. يعني: صفةٌ وموصوفيَّة، وسُمِّي التَّمثيل على سبيل الاستعارة كذلك، هذه أربعة أسماء: تمثيلٌ -هكذا مُطلقًا- .. تَشبِيه تمثيلٍ .. تشبيهٌ تمثيليٌّ .. التَّمثيل على سبيل الاستعارة.
وإنَّما سُمِّي: تَمثيلًا، لكون وجهه مُنتَزَعًا من مُتَعَدِّدٍ، وقيل: لكونه على سبيل الاستعارة، لأنَّه قد ذُكِر فيه المشبَّه به وأريد المشبَّه، كما هو شأن الاستعارة، وكذلك من جهة ادِّعاء أنَّ المشَبَّه داخلٌ في جنس المشبَّه به.
قال التَّفْتزاني:"وهاهنا بحثٌ وهو: أنَّ المجاز المركَّب كما يكون استعارةً فقد يكون غير استعارة"هذا فيه ردٌ على تخصيص النَّاظم كأصله لِمَا خُصَّ المجاز المركَّب بأنَّه استعارةٌ تَمثيليَّة، كأنَّه يُقال: المجاز المركَّب لا يكون إلا استعارةً تَمثيليَّة، والواقع خلاف ذلك، بل قد يكون استعارة وقد يكون غير استعارة.
قال:"وهاهنا بحثٌ وهو: أنَّ المجاز المركَّب كما يكون استعارةً فقد يكون غير استعارةٍ، وتحقيق ذلك: أنَّ الواضع كما وضع المفردات لمعانيها الإفراديَّة بحسب الشَّخص - يعني: التَّشخيص - كذلك وضع المركَّبات لمعانيها التَّركيبية بحسب النُّوع".. وضع المفردات ووضع النُّوع، الوضع للمفردات قد يكون من حيث التَّشخيص وضع كلمة سَماء لمعناه .. كلمة زيد لمعناه .. قام لمعناه .. إلا لمعناه، إلى آخره.
وقد يكون بالنُّوع كاسم الفاعل على زِنة: (فاعل) والنِّسبة (فَعَليٌ) إلى آخره .. المضاف والمضاف إليه: غلام زيدٍ .. إضافة الأول إلى الثَّاني هذا تشخيصٌ لكنَّه نوعي، وأمَّا التركيب الذي هو الجملة الاسميَّة والفعلية فهذا لا يكون إلا نوعيًا.