فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 828

إذًا: من غير تغييرٍ لها بوجه من الوجوه، ومن غير التفاتٍ إلى حالة الصُّورة المشبَّهة من التَّذكير والتَّأْنِيث والإفراد والتَّثنية والجمع، بل يبقى على حاله، وذلك كما يقال للمُتَرَدِّد في أمرٍ: أَرَاَكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، هذا مثلٌ مشهور، هذا في المثل الحسِّي، يريد أن يذهب ويأتي .. يذهب إلى الدَّرس أو لا يذهب؟ يُقَدِّمُ رِجْل وَيُؤَخِّرُ أُخْرى.

فحينئذٍ نقول هذا في الأمر الحسِّي، لو أشبهه أمرٌ معنوي: يتزوَّج أو لا يتزوَّج؟ يصلح أن نقول: أَرَاَكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، أو لا؟ نعم، مع كونه ماذا؟ قيل: في الشيء الحسِّي له معنىً، حسِّي تُقَدِّمْ رِجْلًا وَتُؤَخِّرْ أُخْرَى في الذي يَتَرَدَّدْ في الذَّهاب أو عدمه، الذَّهاب: المشي، وهذا عنده أمرٌ يُقْدِم عليه أو لا؟ لا يتعلَّق بالذهاب وغيره، هل يُقْدِم على الزَّواج أو لا؟ حينئذٍ يُقال له: أَرَاَكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى.

وذلك كما يُقال لِمُتَرَدِّدٍ في أمرٍ: أَرَاَكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، فإنَّه شَبَّه صورة تَرَدُّدِه في ذلك الأمر بصورة من قام ليذهب، فتارةً يريد الذَّهاب فَيُقَدِّم رجلًا .. حسًَّا، وتارةً لا يريد فَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، فكل من تَرَدَّدَ في أمرٍ يَصحُّ أن يقال له: أَرَاَكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى.

لو وجدت مجموعة طلابٍ وَتَرَدَّدُوا في أمرٍ قلت لهم: أَرَاَكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، ولا تقل: أَرَاَكُمْ تُقَدِّمُون رِجْلًا وَتُؤَخِّرُون أُخْرَى لا، لماذا؟ لأنَّه ضُرِبَ مَضْرَب المثل، والأمثال لا تُبَدَّل ولا تُغَيَّر.

حينئذٍ حصل تشبيه صورة وهي التَّرَدُّدْ .. يُقْدِم أو لا يُقْدِم؟ هذا شيءٌ مُنتَزَع مركَّب بصورةٍ أخرى وهي التَّرَدُّدْ في الذهاب .. يذهب أو لا يذهب؟ واسْتُعِير اللفظ بعينه، ثُمَّ المخاطب الذي هو المشَبَّه لو اقتضى تغييرًا للفظ المركَّب لا يُغَيَّر فيبقى على حاله.

فاسْتُعْمِل في الصورة الأولى - يعني: صورة من تَرَدَّدَ في الأمر - فاسْتُعْمِل في الصورة الأولى الكلام الدَّال بالمطابقة على الصورة الثانية، اسْتُعْمِل في الصُّورة الأولى المشبَّه التي هي: التَّرَدُّدْ في أمرٍ ما بالكلام الدَّال بالمطابقة على الصورة الثانية المشبَّه به، فاللفظ هو عينه اسْتُعْمِل في الدَّلالة على الصورة الأولى، بادِّعاء دخول الأولى في جنس الأخرى للمبالغة في التَّشبِيه .. من أجل تَحصيل الاستعارة.

والتَّجَوُّز هنا، كيف حصل التَّجَوُّز؟ إنَّما هو في مجموع ذلك اللفظ المركَّب، يعني: أَرَاَكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، كل اللفظ اسْتُعمِل في غير المعنى الذي وُضِع له وإنَّما اسْتُعْمِل في معنىً آخر، هذا باعتبار المركَّب، لكن باعتبار المفردات هل هي مَجاز؟ لا، الأصل: أنَّها ليست مَجاز، قد تكون مَجازًا، لكن في مثل هذا التَّركيب ليست مَجازًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت