الصفحة 52 من 83

الأمر الخامس:- المسلم مهما كان فاسقا فعقيدة أهل السنة فيه ما ذكره الطحاوي: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا) ، هذا مجمل ما اشتمل عليه كلامه المنقول آنفا.

فأما عن الأمر الأول، فقد تبين مما سبق ذكره مرارا أن الإجماع الذي قصده، إنما ظهرت صورة انعقاده على تكفير المتنبئين وأتباعهم، والأمة كلها على هذا، والحكم فيهم متحد سواء كان المتنبئون وأتباعهم ممتنعين أم لا، فالامتناع أو عدمه لا تأثير له البتة في الحكم على هؤلاء بالكفر على التعيين، مما يبين أن حالهم مغاير لأنصار الحكام المرتدين، فقياسهم عليهم ومحاولة إلحاقهم بهم وإلصاقهم بحكمهم هو قياس مع وجود فوارق مؤثرة لا ينبغي إهمالها إذ لا يصح معها قياس إلا بشيء من التكلف مما لا يصلح أن يكون حجة شرعية مرضية فضلا عن جعله إجماعا قطعيا يكفر مخالفه.

وأما عن الأمر الثاني فنرجئ الكلام عنه إلى موضع آخر بتفصيل أكثر، والكلام هنا سيكون عن بقية الأمور الثلاثة الأخر لاندراجها وتداخلها مع بعضها البعض.

فقد اعتمد الشيخ عبد القادر على قول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ (وتكون قتلاكم في النار) ، فجعلها عند الاستدلال بالإجماع المذكور الدليل على تكفير (( أنصار أئمة الردة ) )على التعيين، معللا ذلك بأن القتلى الذين شهد عليهم أبو بكر والصحابة بالنار، هم أشخاص معينون، والنار لا يشهد بها على معين إلا حيث قطع بكفره، أما مع عدم القطع بالكفر فلا يحكم عليه بأنه من أهل النار وقد نقلنا عبارته قبل قليل، وقال في موضع آخر من كتابه:- ( ... وقطعوا بأن قتلاهم في النار، والنار لا يقطع بها إلا لكافر، وقتلاهم معينون، فقطعوا بكفر الأتباع على التعيين) [2/ 584] ، فإذا عزلنا ما ذكره في هذا الموضع عن كون المشهود عليهم بالنار هم أتباع المتنبئين، وعلى افتراض أن ما قاله أبو بكر لم يكن لوفد بزاخة أتباع طليحة الأسدي، ونظرنا لها نظرة مجردة ومنفصلة عن موردها، وتفحصنا في الألفاظ من غير اعتبار للقرائن التي يمكن أن يكون لها تأثير في تعيين الحكم أو تقويته، فإننا ندرك أن العبارة التي تمسك بها - على افتراض صحة دلالتها على ما ذهب إليه - فإنها ليست نصا قاطعا سالما من الاحتمالات المعتبرة، بل غاية ما يقال فيها أنها ظاهرة فيما احتج به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت