من ذا الذي يريد لأخيه المسلم الإهانة ونزول المكانة إلاّ من كان في نفسه عقدة من رذائل الأخلاق.
وقد أنذر الله سبحانه وتعالى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة فقال تعالى في سورة النور 24: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . د- تشميت العطاس:
أما تشميت العاطس، فهو أدب من الآداب الإسلامية الاجتماعية، وهو ينم عن ذوق رفيع في مجالس المسلمين، إذ يتصيّد المسلم أدنى مناسبة ليدعو لأخيه المسلم بدعوة كريمة، وليوجّه له كلمة حلوة، يجذب بها من قلبه خيطًا من خيوط العواطف الإنسانية، التي تنسج بها وشائج المودة والمحبة، وتوثق بها روابط الإخاء.
وحين يتلقى العاطس الدعاء له من إخوانه يشعر في ذات نفسه بأن شركاءه في المجلس قد اهتموا بشأنه، عند هذه العارضة اليسيرة التي تعرض لها، فدعوا له بالرحمة، فكيف يكون اهتمامهم به إذا نابه شيء كبير، وعندئذ يردّ لمن دعا له بالرحمة.
أما الدعوة بإصلاح البال فهي زيادة بارعة تشير إلى أن سبب البدء بالدعوة بالرحمة انشغال بال الأخ عن أخيه، إذ سمعه عطس وحمد الله تعالى، فكأنه يقول له: ولا أقلق الله بالك على نفسك أو أخ أو قريب أو حبيب." [1] "
هـ- إحسان الظن وسلامة الصدر:
ومن حسن المعاشرة بين الإخوان إحسان الظن بهم، وحمل ما يصدر عنهم من كلام على احسن المحامل، وقد نهينا عن ظن السوء فإنه أكذب الحديث، كما في حديث أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (َ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيث وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ) [2] ، قال القرطبي"المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: (ولا تجسسوا) وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: (يا أيها الَّذِين َ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) [الحجرات: 12] ، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة، لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظان أبحث لأتحقق، قيل هل (ولا تجسسوا) فإن قال تحققت من غير تجسس قيل له (ولا يغتب بعضكم بعضًا) " [3] .
وفيما يتعلق بسلامة الصدر قال تعالى على لسان المؤمنين: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر: 10] و يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ) [4] ، وكان دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم: (واسلل سخيمة صدري) [5] .
7 -الدعاء للإخوان بكل خير في حياتهم و شهود الجنازة والدعاء بالمغفرة والرضوان بعد مماتهم:
فقد ورد في الحديث الصحيح (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ) [6] ولا يجوز أن يعجز المسلم عن هذه المرتبة، بل عليه أن يذكر أخوته دائمًا بالدعاء والاستغفار، وقد وعده الصادق الأمين بأن له بمثل كما سبق في الحديث السابق.
(1) الأخلاق الإسلامية / حبنكة (2/ 218) .
(2) البخاري رقم (4747) .
(3) فتح الباري (10/ 496) .
(4) الترمذي رقم (2412) وقال: قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
(5) الترمذي رقم (3474) .
(6) مسلم رقم (4912) .