بقلم: فرحان بن مشهور الرويلي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فإنَّ من الكفر المُبين، المخرج عن الملة والدين: الإعراض عن دين الله عز وجل، وترك تعلُّمه أو العمل به، وهو آخر النواقض التي ذكرها محمد بن عبد الوهاب في رسالته الشهيرة: نواقض الإسلام.
والإعراض العمليّ يكون على وجهين:
الوجه الأول: الإعراض التامّ عن دين الله بالكليَّة، وهذا داخلٌ في مسألة ترك جنس الأعمال، وترك جنس العمل إعراضٌ عن العمل بالكلية، فهي داخلةٌ في هذا الناقض من هذا الوجه، والظاهر من كلام الشيخ أنَّه يعني هذا الناقض.
والوجه الثاني: ترك التزام شيءٍ من أحكام الله وشريعته، وهذا إعراضٌ خاصٌّ عن بعض الأحكام، وتارك الالتزام يكفر إن ترك التزام شيء من الأحكام الشرعية، فلم يحرم ما حرم الله، ولم يستحل ما أحل الله، ولم يوجب ما أوجب الله.
وكل من هذين الوجهين ناقضٌ مستقلٌّ، يستحق إفراده بالشرح والتوضيح، ونحن نذكر ما يتعلق بكل منهما على جهة الإيجاز والاختصار بإذن الله.
الوجه الأول: ترك جنس العمل.
هذه المسألة مما أجمعت عليه الأمة، بل جاء عن بعض السلف أنَّه حكم بكفر من لم يكفِّر تارك جنس العمل، والنصوص كثيرة في هذا الباب، باسم التولي وباسم الإعراض ونحو ذلك، والإيمان قول وعمل واعتقاد، فمن لم يكن له من العمل شيء لم يقم إيمانه بدون هذا الركن، وهذا أصل ما أمر الله به عباده فقال: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) وغير ذلك، والتوحيد ركنان: عبادة الله، وترك عبادة غيره، فالذي لا يعمل من الأعمال شيئًا ترك أحد الركنين.
والقائلون بكفر تارك الصلاة لا يحتاجون إلى التنبيه على كفر تارك جنس العمل، لأن من أتى بالصلاة لم يكن تاركًا لجنس العمل، وإنَّما ينبّهون إليه ويفرّقون بين المسألة ومسألة تارك الصلاة عند الكلام عن المخالف، فيُعذر من يُخالف في تارك الصلاة بخلاف من يُخالف في تارك جميع العمل.
وكفر تارك جميع العمل كفرٌ عمليٌّ، وإن كان في الواقع لا يُمكن أن يُتصوَّر إلاَّ ممن اشتمل قلبه على الكفر، فيمتنع أن يُوجد أصل الإيمان في قلب رجل، ثم لا يدفعه إلى عبادة الله والتقرب إليه بشيء من الأعمال.
الوجه الثاني: ترك الالتزام.
وهذا وجه مستقلٌّ، فقد يكون الرجل مصليًّا صائمًا مزكيًا حاجًّا، ثمَّ يمتنع عن التزام شيء من أحكام الله كمشروعية الجهاد أو تحريم الخمر فيكون كافرًا مرتدًّا عن دينه.
وترك الالتزام له صور متعددة، فمنها الامتناع عن شيء من الشرائع، كما حكم الصحابة بكفر مانعي الزكاة، ومنه الامتناع عن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم كما فعل المنافقون (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) .
ومن شروط لا إله إلا الله، الانقياد والقبول لها ولما تقتضيه، ومن ترك التزام شيء مما جاء به الله ورسوله فلم ينقد ولم يقبل، بل هو ممن علم ولم يعمل، وعرف التوحيد وأعرض عنه.
ومن هذا النوع كفر إبليس لعنة الله عليه، فإنَّه امتنع عن قبول أمر الله بالسجود لآدم، ولم يكن قبل ذلك الامتناع كافرًا، ثمَّ كفر بفعله وصار إمامًا للكافرين، وحلَّت عليه اللعنة إلى يوم الدين.
وأما الإعراض العلمي، فهو على قسمين: