الصفحة 460 من 1360

ومن صور العذاب الأليم أن يستبدل الله بالناس قوما آخرين يختارهم لنصرة دينه ويفضلهم على المتخلفين عن الجهاد، فيا حسرة على العباد!! كيف تطيب لهم الدنيا وقد حرمهم الله فضله وهم ينظرون، وأسبغه على قوم ربما كانوا أقل في أعينهم، ولكنهم كانوا هم المفرطين .. وهذه سنة الله في كل من أعرض عنه وصد عن سبيله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) لذا لا تعجب حينما يغتاظ هؤلاء المغبونون ممن تفضل الله عليهم بفضله، فيتسلطون عليهم بالحسد والكبر فيفتتنون (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) فبعد أن كانوا متثاقلين عن الحق الذي يعرفونه يبتليهم الله ببلية أخرى فيفتنهم - والفتنة صورة أخرى من صور العذاب الأليم لتاركي الجهاد - فلا يهتدون إلى الحق بعد أن كان في متناول أيديهم وعلى قلوبهم وألسنتهم، وتشتط بهم الفتنة فينتهجون مناهج ما كانوا يتوقعون يوما أن ينتهجوها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .

وأنت ترى في جزيرة العرب كيف أن قوما لم يكونوا يكفرون الطواغيت ولكنهم كانوا يجتنبونهم ويبغضونهم ويعادونهم لما يرونه فيهم من الظلم والفسق والبغي والفجور فلما تركوا الجهاد، وأصروا على تركه، ولم يكتفوا بذلك بل عادوا من سلك طريقه، وبغوا عليهم وحاربوهم أشد من حرب الطواغيت ابتلاهم الله بالركون إلى الذين ظلموا والدخول في حلفهم والسعي في مضمارهم مع أنهم يعرفون قبل غيرهم خطورة هذا الركون وشناعته وقبح جريرته عليهم ولكن حق عليهم العذاب الأليم فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وفتنوا فظنوا أنهم بتركهم الجهاد قد حقنوا الدماء وأمنت سبيل الدعوة، وعاقبهم الله فلم يدركوا أنهم أول من دفن الدعوة على عتبة باب السلطان والطاغوت الذي دخلوا في حلفه ونصرته وتأييده ...

إنَّ المتأمل في واقع الناس سيدرك كثيرًا من العقوبات والمصائب التي تحل بالناس جرّاء تفريطهم في التوحيد وتفريطهم في الولاء للمؤمنين والمجاهدين والبراءة من الطواغيت الكافرين، وترك الجهاد والنفير الواجب، وهم مع ذلك لا يشعرون قد ابتلاهم الله بموت القلوب فلم يفطنوا إلى ما أتوا بسببه .. فاللهم يا ولي الإسلام وأهله .. اللهم اجعل جهادنا في رضاك .. وثبتنا عليه حتى نلقاك .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الآن على موقع مركز الدراسات والبحوث الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت