الصفحة 459 من 1360

كلماتٌ في المنهج إلا تنفروا يعذبكم

بقلم / صالح بن سعد الحسن

(المدينة المنورة)

شرطٌ وجزاء، وقد وقع الشرط فما أصبر الناس على الجزاء ... إنه جزاءٌ شديدٌ، وعقوبة صارمة لكل من تخلف عن هذا الطريق المبارك مع الطائفة المنصورة المجاهدة في سبيل الله (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

فإذا تعين الجهاد أو لم تحصل الكفاية في بابه فالناس موعودون بالعذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، قال ابن سعدي رحمه الله:

"ثم توعدهم على عدم النفير فقال: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) في الدنيا والآخرة؛ فإن عدم النفير في حال الاستنفار, من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب, لما فيه من المضار الشديدة، فإن المتخلف, قد عصى اللّه تعالى, وارتكب لنهيه, ولم يساعد على نصر دين اللّه, ولا ذب عن كتاب اللّه وشرعه, ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم, الذي يريد أن يستأصلهم, ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان, بل ربما فَتَّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء اللّه، فحقيق بمن هذا حاله, أن يتوعده اللّه بالوعيد الشديد, فقال: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا) فإنه تعالى متكفل بنصرة دينه وإعلاء كلمته، فسواء امتثلتم لأمر اللّه, أو ألقيتموه وراءكم ظهريا، (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لا يعجزه شيء أراده, ولا يغالبه أحد".

وإنَّ صور العذاب التي قد يصبها الله على المتخلفين كثيرة فمنها الذل وكفى به عقوبةً وعذابًا على النفوس الحرة الأبية، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد وأخذتم أذناب البقر سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" وقال: "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا".

وأنت ترى أهل جزيرة العرب لما قصروا في الجهاد كيف أذلهم الله ذلًا لا تطيقه نفوس أهل الشيم فترى أخس الناس وأحطهم أخلاقًا ودينًا يتحكمون فيهم وفي أرزاقهم وفي تصرفاتهم، حتى صارت الكلمة والأمر والنهي في يد السوقة من الناس من أصحاب الأخلاق الدنيئة والنفوس الرديئة وهم مع ذلك متحكمون في أشراف الناس والصالحين منهم وأهل المكانة والمكارم ...

ولو تأملت لوجدت الرجل العزيز في قومه المطاع في عشيرته، يدخل على أمير من هؤلاء الأمراء فلا يجد إلا الإهانة والإذلال مما لو كان في غير هذا العصر لم يحتمل معشاره ولغضبت له فئام من الناس ..

ولو تفكرت أكثر لرأيت من الذل صورا أقبح فهل كان يخطر ببال مسلم أخضع أجداده الدنيا كلها أن يمر عليه زمان تحميه فيه العاهرات والمومسات من اليهوديات والنصرانيات تحمل الواحدة منهن سلاحها وتفارق أهلها وتبيت الشهور الطوال بعيدة عن ذويها وتقارع الرجال في ميدان المعارك وتجوب ديارنا حاميةً لمصالح الصليب فيها ثم الناس في جزيرة العرب لا يعرفون لحمل السلاح طريقة ولربما شابت لحية أحدهم لم تضغط يده على زناد ... ومن صور الذل التي ابتلى الله الناس بها لما تركوا الجهاد أن يعجز الواحد منهم عن حماية ماله وممتلكاته، ولا يستطيع أن يمارس نشاطه التجاري إلا بأن يتخذ له شريكًا من الأمراء يحمي تجارته عن تسلط المتنفذين وغصبهم وتطاولهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت