مسائل في الاعتقاد الناقض الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
وهذا من نواقض الإسلام المجمع عليها، فكل من أبغض الدين الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم، أو أبغض حكمًا من أحكامه، أو شريعةً من شرائعه، فقد خرج من الملة، وخلع ربقة الإسلام من عنقه.
وهذا الناقض كالذي قبله يُناقض شهادة أن لا إله إلا الله، كما يناقض شهادة أن محمدًا رسول الله، لتضمّنه الطعن في الله عز وجل وتشريعه، وفي النبي صلى الله عليه وسلم وكمال رسالته وهديه وسنته، أو في أمانته وتبليغه.
ودليل كفر من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) ، فعلل التعس وضلال الأعمال وإحباطها للذين كفروا بأنَّهم كرهوا ما أنزل الله عز وجل.
ولا يمكن أن يجتمع بغض شيءٍ من دين الله عز وجل مع محبة الله، بل المؤمن بالله عز وجل يحبه ويحب أوامره، والمنافق لا يحب الله ولا يحب أوامره، كما أن المؤمن إذا علم كمال الدين واشتماله على المصالح العاجلة والآجلة يستحيل أن يبغض شيئًا منها، وكيف يبغض شيئًا يعلم أنّه هو الخير والمصلحة له في عاجله وآجله؟
ومن الأدلة على كفر من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
فاشترط للإيمان ثلاثة أشياء:
تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في النزاع.
التسليم لحكمه صلى الله عليه وسلم وعدم منازعته.
عدم وجود الحرج في الأنفس مما يقضي النبي صلى الله عليه وسلم، فمن وجد في نفسه أدنى حرجٍ من الحكم الشرعي فليس بمؤمنٍ حتى يزول الحرج من نفسه ويسلم تسليمًا كاملًا بقلبه وجوارحه، فكيف بمن زاد ما في نفسه عن الحرج ووصل إلى البغض لحكم الله والعياذ بالله؟!
ويجب الانتباه إلى موضع من مواضع الزلل في هذا الباب، وهو عدم التفريق بين البغض المقصود في الآية وهذه النصوص، وهو أن يبغض ذات حكم الله عز وجل، وبين البغض الطبعي للمشقة المصاحبة لبعض الأحكام، فهناك فرقٌ بين من يبغض حكم القتال في سبيل الله، ومن يكره القتال من حيث هو مشقة على النفس وركوب أهوالٍ عظيمةٍ ومخاطرةٍ بالنفس، وقد وجدتُ من يغلط فيخلط بين المرأة التي تبغض مشروعية تعدد الزوجات، وتكره هذا الحكم الشرعي، وبين التي تبغض أن يتزوج زوجها عليها امرأةً أُخرى مما هو مقتضى الغيرة الفطرية التي لم تخل منها أمهات المؤمنين رضوان الله عليهنّ.
ودليل هذا التفريق الَّذي ذكرناه، أنَّ الله عزَّ وجلَّ قال في كتابه العزيز: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) . والخطاب للمؤمنين فأثبت كره المؤمنين للقتال، وقال عز وجل: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) . فأخبر عنهم أنَّهم كارهون للخروج يُجادلون فيه بعد تبيّنه وعلمهم أنَّه الحقّ، أي أنه حكم الله سبحانه، وشبّه عز وجل حالهم بمن يُساق إلى الموت وهو ينظر.