الصفحة 333 من 1360

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد عُرضَت عليَّ أوراقٌ نُشرت في الإنترنت، يعترض بها كاتبُها على مقالٍ كتبته عن دفع الصائل في مجلة صوت الجهاد، وعلى رسالة (المنية ولا الدنية) التي نُشرت قبلُ.

وقرأتُ ورقاتِه فلم أر طائلًا، ولم أجد ما يستحقُّ الردّ، غير أنَّ المسألة التي شبَّهَ فيها كاتب الورقاتِ مسألةٌ مهمّةٌ، ولا ينبغي أن يبقى لدى المجاهدين فيها أدنى أدنى شبهةٍ، وقد سلكتُ في المقالات والرسائل التي أكتبها مسلك الاختصار والإيجاز، مع الحرص على الكفايةِ في المسألةِ قدر المستطاعِ، إلاَّ حيثُ استدعى المقام التطويلَ والتفصيل، فلعلَّ سوء الفهمِ من ها هنا دخل، أو دُخل عليَّ من قصور العبارة وسوء البيان، والله المستعان.

ومجمل الشبهات التي أوردها كاتب تلك الورقات:

التشكيك في حديث عبد الله بن عمرو وأنّه لم يكن في مواجهة سلطان، والطعن في القصة واللفظ الذي أوردتُه.

الاستدلال بحديث: تسمع وتطيع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك، وعاب أنِّي فسرتُ الحديث بغير المعنى الَّذي فهمه، وزعم أن حديث "وإن أخذ مالك" مع تبويب أهل العلم على حديث عبد الله بن عمرو يشهد بصحة ما قاله ابن المنذر، يعني الإجماع المخروم.

عدَّ بعض من سُجن من الأئمة وأهل العلم ولم يُنقل عن أحدٍ منهم مقاومة السلاطين ونوّابهم، ثم طالب بالتحاكم إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأُمَّة، وسأل عمَّن يقول بهذا القول من العلماء.

فأمَّا الحديثُ، ففيه قصَّةٌ، ونصٌّ مرفوعٌ، وقد ثبت من القصة في مسلم وغيره قول الراوي: لما كان بين عبد الله بن عمرو وعنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسرا للقِتال، فذكر الحديث واستدلال عبد الله بن عمرو به في هذا الموضع، وقوله ما كان: اختصار من بعضِ رواةِ الحديثِ للقصةِ، وقد جاء مفصلًا في رواياتٍ غير هذه الرواية تأتي بإذن الله.

ومن اللفظ الثابت في صحيح مسلم: يظهر أنَّ عنبسة أراد العدوان على شيءٍ من مال عبد الله بن عمرو، فأراد عبد الله أن يُقاتل دونه، وحين حوجج استدلَّ بالحديث، وعنبسة كان واليَ معاويةَ على الطائف ومكَّة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قبل الموضع الذي ذكر فيه كلام ابن المنذر بأسطر يسيرة:

"وأشار بقوله: (ما كان) إلى ما بيّنه حيوة في روايته المشار إليها؛ فإن أولها أن عاملًا لمعاوية أجرى عينًا من ماء ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص فأراد أن يخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض؛ فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد، فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملًا لأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك لما يدخل عليه من الضرر".

ورواية حيوة -وهو ابن شريح المصري- المشار إليها هي روايته الحديث عن أبي الأسود عن عكرمة عن عبد الله بن عمرو بن العاص التي أخرجها الطبري فيما ذكر الحافظ في الفتح، وإسنادها على شرط الصحيح إن صحَّ إلى حيوةَ.

وقد أخرج المزِّي الحديث بإسناده إلى سُعير بن الخمس عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عمروٍ به، وذكر في القصة: أنَّ معاوية (بدل عنبسة) ، وقد أخطأ سعيرٌ في إسناد هذا الحديث، وصوابه ما رواه الثوري وغيره عن عبد الله بن الحسن عن عمه -أخي أبيه لأمه- إبراهيم بن عبد الله بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت