فقه الجهاد مقاصِدُ الجِهاد: (دفعُ الصَّائل)
يكتبها الشيخ / عبد الله بن ناصر الرشيد حفظه الله
حينَ يتشدّقُ المُغرضُونَ بأنَّ الجِهَادَ وسيلةٌ وليسَ غايةٌ، فإنَّهم - وإن كانوا يقصدونَ منكرًا من القولِ وزورًا - يلفتُون النَّظر إلى مقاصِدَ عديدةٍ للجهادِ قد تُنسى ويَغفَلُ عنها من يغفَل، فالجهادُ وسيلةٌ شريفةٌ كما أنَّ الأعمالَ كلَّها وسائلُ لرضا الله، ولكنَّ الجهادَ اختصَّ مزيدًا على ذلكَ بأنَّه وسيلةٌ يُوصلُ بها إلى جملةٍ عظيمةٍ من الأمورٍ المطلوبةٍ شرعًا، فهو وسيلةُ دفعِ العُدوانِ، ووسيلةُ الدَّعوةِ إلى الله، ووسيلةُ إقامةِ الخِلافةِ في الأرض وتحكيم شرعِ الله في أرضِ الله، وهو أحدُ موارِد المالِ لدولَةِ الإسلامِ، إلى ما فيهِ نفسِهِ من الفضائلِ العظيمةِ والعباداتِ من الشَّهادةِ الّتي تمنّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجراحة في سبيل الله، وحراسةِ المسلمين والرباط على ثغورِهِم، ورأسُ الفضائل وأساسُها تحقيقُ التَّوحيدِ للهِ وتجريدُ القصدِ له، إيمانًا بهِ وتسليمًا للنفس والمال والدم إليهِ، وكفرًا بما سواهُ وتجرّدًا من شِرْكِ الهوى، وشَرَكِ الشيطان، كما قال أبو عبد الله ابن القيّم رحمه الله في ميميّته:
فلو كان يُرضي اللهَ نحرُ نفوسِهِم ... لجادُوا بها طوعًا وللأمرِ سلَّمُوا
كما بَذَلُوا عندَ اللِّقاءِ صُدُورَهُم ... لأعدائهِ حتّى جرى منهُمُ الدّمُ
وكلُّ عملٍ وعبادةٍ شرعت لمقاصد؛ فإنَّها وسيلةٌ إلى هذه المقاصِد، وهذا غيرُ المعنَى الآخرِ للوسيلةِ الَّذي يُرادُ به ما لم يُشرعْ إلاَّ لغيرِهِ، والقتالُ في سبيلِ الله ممّا ذكرهُ الله غايةً للبشرِ كلِّهِم فقال عزَّ وجلَّ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) . فجَعَل العِوضَ النَّفسَ والمال والقتل والقتال، والثمن الجنَّة.
وتقسيمُ الجِهادِ إلى جهادِ طلبٍ وجهادِ دفعٍ تقسيمٌ مُجملٌ صحيحٌ بلا مِريَةٍ لكن في تفاصيلِهِ مُسامَحةٌ، وجِماعُ مقاصِدِ الجِهادِ الوصولُ إلى حقٍّ للهِ أو لِعبَادِه، أو التخلُّصِ من ظُلمٍ وقَعَ عليهِم، وهَذَا على الإجمالِ، ولذلك ضوابِطُ وتَفَاصِيلُ ليسَ هَذَا محلَّها.
ويُشرعُ الجِهادُ: لردّ العدوِّ الكافرِ ودفعِهِ وإرهابِهِ وردْعِهِ، وهو أصلُ جِهادِ الدَّفعِ، ولا فرقَ في الكافرِ الصَّائلِ بينَ أن يكونَ من بلدِ من صالَ عليهِم، وأن يكونَ من بلدٍ أُخرى، ودفعُ الصَّائلِ مشروعٌ وإن كان مُسلِمًا إلاّ أنَّ الكافرَ يزيدُ بثلاثةِ أُمورِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُطلبُ في قِتالِهِ الإثخانُ بنصِّ القرآنِ: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) ، أمَّا الصائل المُسلمُ فيدفَعُهُ بأخفَّ ما يندفِعُ بهِ وينتقلُ إلى الأشدِّ إن لم يندفع بالأخفّ، ويختلفُ تبعًا لذلكَ حكمُ الإجهازِ على الجريحِ واتّباعِ المُدبِرِ.