فهرس الكتاب

الصفحة 1676 من 1908

وكنت قد سبقتهم بقليل وهم جاؤوا بعد مدة مقاربة، فالتقينا هناك وبقينا لمدة أربع سنوات وكنا معًا أينما ذهبنا، وكان صاحبي وجاري في البلد، ومعنا في الجهاد والعمل الجهادي، وخرجنا معًا إلى الجهاد في العام 1989م، ثم افترقنا وجمعتنا الجزائر مرة أخرى- فكان معي في الغابة، وكانت غابة كبيرة وقد حكيت لكم عن شجرة الصنوبر فهو يتميز بأن شجرته تكبر هكذا وفي فصل الصيف تتساقط أوراق الصنوبر تحت الشجرة وهي أوراق طويلة كالإبر، فالذي يجف منه يسقط ويكون طبقة من القش على الأرض، فبمجرد رمي عود ثقاب تشتعل النار وتمشي في الأشجار نفسها، تمشي النار أمام عينيك بشكل عجيب جدًّا ومخيف، فعندما أحرق العدو الغابات في تلك المرة، كان بيننا وبين الضفة الأخرى شعبة كبيرة وطويلة، وهذه الشعبة أحيانًا يكون بها ماء، وأعتقد أنها كانت في تلك الفترة جافة، ونحن كنا في هذه الشعبة والحريق كان قد وصل للشعبة الأخرى، فكنا قد جمعنا أغراضنا والمركب والشنط وكان لدينا محمل فوضعنا فيه أغراضنا، وكان من المفترض أن ننسحب لكن قلنا ننتظر قليلًا وتشاورنا حيث كان معنا اثنان أو ثلاثة من الإخوة الجزائريين، وقلنا ننتظر نحن قد جمعنا عدتنا وأغراضنا ويمكن أن تغلب الشعبة النار، كانت النار تلتهم الحشائش والقش وتأتي مشتعلة وكان لها صوت مخيف وهي تحرق المنطقة، قلنا هذه النار لن تتجاوز الشعبة لأن الشعبة كان بها حجارة وبعض المناطق التي لا قش بها -كان الوقت حينها بعد الظهر أو العصر تقريبًا-، فتخيل معي أن الشعبة بدأت بالتفحم ونحن للتو نمر عليها، فكان الحل هو الفرار حيث كان منظر النار عجيبًا، كان صهد النار وحرارتها تنتقل من مكان إلى آخر، ونحن نهرب منها وهي تجري خلفنا، في نهاية هربنا واجهنا جبلًا والجبل كهضبة يصعب الصعود عليها لأعلى، فكان معنا أخ جزائري مسكين وكأن لديه خبرة من قبل، لجأ إلى خندق صغير به قطعة فرش «موكيت» كان الإخوة يصلون عليها كالمصلى، فنام في الخندق والنار تمشي وتجيء على المكان لمدة دقيقتين أو ثلاث، فمشت النار فوقه وهي تجري خلفنا، وهو قاعد تحت النار وطبعًا أكلت النار قليل من يديه وأصابعه وقليل من رجليه وعالجناه لاحقًا، وهي تجري خلفنا، المهم أن النار كانت تلحق بنا نحن الأربعة، وأحرقتنا قليلًا، فلجأنا إلى منطقة فيها حجارة والحمد لله ابتعدنا قليلًا عن الحشائش ونجانا الله تعالى.

الحكمة من هذا الموقف أن لا يستهان بالنار فهي تأكل بشكل سريع، ولا تقل أبدًا النار بعيدة، النار خداعة وتجري بسرعة، لا تقل سنطفئها، ولا تقل أن شيئًا سيوقف النار، فهي صعبة جدًا إذا اشتعلت، الأمر الآخر هي تأكل وتمشي فإن كان الشخص لديه حفرة يختبئ بها قد تضره ولكن لا يموت منها، هذه قصة النار وكان هذا استطرادًا المقصد منه أن العدو كان يحرق الغابات وخاصة غابات الصنوبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت