فمنذ أن بدأت الحراسة وإلى أول خيوط الفجر، وأحمد جالس على كرسيه المقعد مرابطا حارسا في سبيل الله ذاكرا لله مستغفرا باكيا فأدهشني فضل الله على ذلك الرجل أن رزق عينيه في ليلة واحدة نعمة الحراسة في سبيل الله ونعمة البكاء من خشية الله.
ولقد كان النوم يغلبني أحيانا فأنام وأستيقظ وهو على حاله لا يفتر، وقد كان بقية الحراس يتبادلون المناوبة بينهم وهو في مكانه مرابطا صابرا. كنت أسأل نفسي مستغربًا، هل يعرف المسلمون في بلداننا بوجود هذه الأمثلة الجهادية في وقتنا المعاصر، أم أنهم غروا بما يرونه حولهم من أرتال القاعدين وطوابير المخذلين، والله لو لم يكن في الجهاد إلا نعمة مجاورة أمثال هؤلاء الناس والنهل من معين سيرهم لكفاه، فتأملوا يا معشر المترددين في ما فوتم على أنفسكم من خير.
إخوتي في الله، اعلموا أن اليقين عندما يضعف والإيمان ينحسر وتعتمد النفس على ما تتلقاه من حواس لكي تبني معتقداتها، فإن الإنسان يقترب خطوة نحو المادية، ويبتعد مثلها عن الإيمان بالغيب، فيطمئن إلى الدنيا ويسر بها ويعرض عن الآخرة ويتكدر لذكرها، وتصبح الحياة الدنيا هي الحقيقة والمعقول والحياة الآخرة هي الخيال والمجهول، هنا تنحرف عقيدة الإنسان ويصبح من عباد الحواس الخمسة، لا يؤمن إلا بما تعاينه من زينة الحياة الدنيا، ويصبح عقله عاجزا تماما عن تصور أي شكل من أشكال الحياة غير هذه الحياة التي عاينها.
إن مثله كمثل الجنين في رحم أمه، يقبع في ظلمات ثلاثة لا يكاد يرى أو يسمع أو يتكلم، كالغريق في بئر ماء، لا يتحكم بأي شيء حوله فلا يعلم أين يذهب ومتى ولماذا، يرقد في رحم أمه مسلوب الإرادة والحرية.
هذا الجنين لا يعلم حقيقة الحياة خارج الرحم. إنه قد يعتبرها مجهولا أو صورة من صور العدم بالاعتماد على ما تقدمه له حواسه المحدودة من معلومات، ولو قدر الله لهذه الأجنة ذوات العقل القاصر أن تتواصل فيما بينها لصنفوا المؤلفات ونظموا الأشعار في ذم لحظة الولادة وذكر مشاقها ومخاضها ودمائها، وكيف أن بعضهم يؤخذ من ناصيته بينما يجر الآخر من قدمه، سيصورون أول صرخة بعد الولادة وكأنها سكرة من سكرات الموت، ستكون لحظة الولادة في أدبياتهم هي نظير الموت في أدبياتنا، وسيتمسكون بحياتهم في الرحم على ما فيها من وحشة وتبعية وظلمة، وسيتغنون في جمالها وكمالها بينما يخافون الولادة، ويتمنون الفرار منها لما تجلبه لهم من لقاء بمرحلة جديدة ما عاينتها حواسهم من قبل.
ولكن الحقيقة هي عكس ما يفكر به الجنين، فما دخل الرحم إلا ليعَد لخوض غمار الحياة، ولن يبدأ بعد سنين عمره إلا بعد حادثة الولادة التي كان يظنها موتا زؤاما، ونحن نعرف ذلك يقينا بعد أن عشنا المرحلتين وعاينتها حواسنا، ولذلك لا تجد إنسانا يتمنى العودة إلى الرحم، وهذا هو