لكن سترتَ معايبي ومثالبي وحلمت عن سَقَطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلُّها بخواطري وجوارحي ولساني
هذا الأمر الأول، أنت أَعْرَف بنفسك، ومن أثنى عليك إنَّما أثنى على جميل ستر الله عليك، فلا تغترَّ بجميل ستر الله عليك ولكن كن ذامًا لنفسك بقدر ما تعلم منها من سوء، واشكر الله تبارك وتعالى على جميل الستر.
الأمر الثاني -في علاج الاغترار بثناء الناس-: هو أنَّ الثناء الحقيقي للعبد هو في السماء، ما اسمك في السماء؟ ما صفتك في السماء؟"إنَّ الرجل ليصدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا، وإنَّ الرجل ليكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا"فبئس الرجل من دُعي في الأرض مخلصًا وهو عند الله تبارك وتعالى من المرائين -والعياذ بالله-، أو أن يُدعى في الأرض متواضع وكريم وشجاع وهو عند الله تبارك وتعالى منافق أو خائن أو كاذب أو فاجر -والعياذ بالله-، فلا نهتم كثيرًا بمدح الناس وإنَّما نبحث في المكانة عند الله تبارك وتعالى، ثناء الناس لا يُغني عني شيئًا إن كنت عند الله مذمومًا -والعياذ بالله-، فالهمُّ كل الهمِّ أن أكون عند الله تبارك وتعالى مرضيًّا أن أكون عند الله تبارك وتعالى مقرَّبًا. هذا السبب الثاني من أسباب الرضا عن النفس، السبب الأول: المقارنة بمن ظاهره أسوء حالًا، السبب الثاني: الاغترار بثناء الخلق.
السبب الثالث من أسباب الرضا عن النفس هو: استكثار الطاعة، أن يفعل الإنسان طاعةً ويراها عظيمة، يعمل عبادات ويرى أنَّه في خير، وأنَّ هذه العبادات لا يقوم بها أحد، وأنَّه بذل مجهودًا كبيرًا، وأنه فعل وفعل وفعل ... فيحصل عنده استعظامٌ لهذه الطاعة، فإذا رأى الطاعة عظيمة رضي عن نفسه، ورأى أنَّه أحسن حالًا من كثيرٍ من الناس، الدواء والعلاج: هو تعظيم الله واستقلال الطاعة.
أولًا: الله تبارك وتعالى هو الذي يمنُّ عليك بالطاعة، هو الذي وفَّقك للطاعة، هو الذي يسَّرك لفعل الخير، هو الذي هداك تبارك وتعالى (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) ، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) ، فالإسلام والإيمان والطاعة والصلاح والخير والعبادة والجهاد والتضحية كل هذه عبادات وهي نعم أنعم الله تبارك وتعالى بها علينا، يسَّرها لنا، امتن الله تبارك وتعالى علينا أن نكون من أهلها، ولو شاء ربي تبارك وتعالى لصرفنا عنها كما صرف كثيرًا من الخلق، فالمنَّة لله وحده، اللهم لك الحمد.
إذن الله يمنُّ علينا بالطاعة، فالطاعة هي مِنَّة من الله تبارك وتعالى، ونحمده تبارك وتعالى أن استعملنا في طاعته ووفَّقنا لمرضاته فالفضل كله لله تبارك وتعالى، هذا أولًا.