عليه ثمانية آلافٍ من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء، من جانب الكوفة، وأنهم عتبوا عليه [على علي - رضي الله عنه -] ؛ فقالوا: انسلخت من قميصٍ ألْبَسَكَهُ الله - تعالى -، واسمٍ سماك الله - تعالى - به، ثم انطلقتَ فحكّمتَ في دين الله، فلا حكم إلا لله - تعالى -؛ فلما أن بلغ عليًا ما عتبوا عليه، وفارقوه عليه، فأمر مؤذنًا فأذن، ألا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجلٌ قد حمل القرآن؛ فلما أن امتلئت الدار من قراء الناس، دعى بمصحفٍ إمامٍ عظيم، فوضعه بين يديه، فجعل يصكه بيده ويقول:"أيها المصحف، حدث الناس"، فناداه الناس فقالوا:"يا أمير المؤمنين، ما تسأل عنه إنما هو مدادٌ في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟".
قال:"أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله - عز وجل -، يقول الله - تعالى - في كتابه في امرأة ورجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ؛ فأمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أعظم دمًا وحرمةً من امرأةٍ ورجل".
وذكر الإمام النسائي في كتابه (خصائص علي - رضي الله عنه -) ، مناظرة ابن عباسٍ - رضي الله عنه - للخوارج، فقالوا - أي الخوارج -:"ما شأن الرجال والحكم؟"
فأجاب عنهم ابن عباس - رضي الله عنه -، عندما ناظرهم فقال:"أما قولكم حكم الرجال في أمر الله؛ فإني أقرأ عليكم من كتاب الله، أن قد سيَّر الله حكمه إلى الرجال، في ثمن ربع درهم، فأمر الله - تبارك وتعالى - أن يحكموا فيه؛ أرأيتم قول الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} ، وكان من حكم الرجال؛ أنشدكم بالله، أحُكم الرجال في إصلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أفضل."
القصد الطمأنينة إلى حكم الله - تبارك وتعالى -، والانقياد إلى حكم الله - تبارك وتعالى -، ولشرعه ولقضائه، ولما أمر به - سبحانه وتعالى -، وعدم التملُص عنه ذات اليمين وذات اليسار؛ هذه سيما المؤمنين: الالتزام بحكم الله - تبارك وتعالى - واتِباعه، وسيما المنافقين: التملص والهروب من حكم الله - تبارك وتعالى-.
قال - سبحانه وتعالى -: {وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [أي: منقادين سلسين] أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *