الصفحة 40 من 49

والعياذ بالله-، فإمَّا أن يرتفع درجات عليا عند الله تبارك وتعالى أو أن يهوي في مكان سحيق في النار ويكون من أول من تُسعَّر بهم النار -والعياذ بالله-. هو عمل واحد، قُتِل في سبيل الله، قُتِل في المعركة، قتله الكفار، فإمَّا أن يرتفع إلى درجات عليا في عليين، وإمَّا أن يكون أول من تُسعَّر بهم النار، ما الفرق بينهم؟ الفرق هو الإخلاص.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن أول الناس يقضى عليهم يوم القيامة:"رجل استشهد فأُتي به فعرَّفه نِعَمَه فعرفها"، الله سبحانه وتعالى عرَّف هذا الذي استشهد، عرَّفه نعمه، أنَّ الله سبحانه وتعالى أنعم عليه بكذا وكذا وكذا فأقرَّ بها،"رجل استشهد فأُتي به فعرَّفه نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدت، قالوا: كذبت، ولكن قاتلت لأن يُقال هو جريء، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار"، والحديث أخرجه مسلم.

نتيجة الرحلة الطويلة من الهجرة والجهاد والجِراح والمجاهدة كان ثمنها:"فقد قيل"، كلمة واحدة وانتهى، وذُهب به إلى جهنم -والعياذ بالله-.

يقول الله تبارك وتعالى كما في الحديث القدسي، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك"، أخرجه مسلم. فالنية الفاسدة تفسد العمل الصالح، وكذلك النية الصالحة تُلحق صاحبها بالصالحين وإن كان عنده قصور في العمل.

أخرج البخاري ومسلم -وهذه رواية البخاري- عن أنس رضي الله عنه قال:"رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنَّ قومًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شِعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر"، قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام وهو عائد من الغزوة؛ لأنَّ العودة من الغزوة -القفلة من الغزوة- لها أجر،"قفلةٌ كغزوة"، فالإنسان مأجور في الذهاب إلى الغزو ومأجور في الرجوع منه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الغزوة أنَّ قومًا في المدينة .. قال عليه الصلاة والسلام:"ما سلكنا شِعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر"، لهم مثل أجر المشارِك تمامًا في الغزوة وهم لم يشاركوا، بسبب ماذا؟ صِدْق نيتهم ولوجود العذر الحقيقي، والصحابة -رضوان الله عليهم- الذين لم يستطيعوا اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم والمشاركة مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، أخبر الله تبارك وتعالى عنهم أنَّهم تفيض أعينهم من الدمع، وصلوا إلى درجة من الصدق عظيمة إلى درجة أن يبكي أنَّه لم يستطع أن يشارك مع المجاهدين والمقاتلين في سبيل الله فأثابهم الله تبارك وتعالى أجرًا عظيمًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت