بعضه، فهناك أشياء كثيرة من التي نعلمها من الهدى والخير نتركها تكاسلًا وتهاونًا مثل كثير من السنن والنوافل وأعمال الخير نتركها تكاسلًا أو تهاونًا، وأشياء أخرى من أمور الخير والصلاح والعبادة نعرفها ونريدها لكننا لا نستطيع أن نفعلها مثل بعض العبادات قد تكون غير متيسرة في أحوال فنريد أن نفعلها ولكن لا نستطيع، فهذا صنف.
ثم شيء آخر من أمور الخير والصلاح والهداية نعرفه إجمالًا ولا نعرف تفصيله ولم نهتدِ لتفصيله، وكل هذا من الغفلة كوننا نعرف أنَّ هذا الأمر من الخير والصلاح ثم أكسل عنه هذه غفلة، وكوني أن أعلم بأنِّي جاهل بأشياء كثيرة من الخير ولا أسعى في تحصيل العلم لها هذه كذلك غفلة، وكوني أنِّي أعلم إجمال العبادات أو إجمال الطاعة من غير أن أهتدي لتفصيلها هذه أيضًا غفلة تحتاج إلى استيقاظ، تحتاج إلى يقظة، تحتاج إلى انتباه، تحتاج إلى صدق رغبة في السير إلى الله تبارك وتعالى.
ونحن في حالنا هذه -في سيرنا إلى الله تبارك وتعالى- رضانا بما نحن فيه يفوِّت علينا درجات من القرب إلى الله تبارك وتعالى عظيمة أضعناها بغفلتنا لا نسعى إليها، هذه الغفلة لها أسباب ولكن أعظم هذه الأسباب -والله أعلم- هو الرضا عن النفس.
والرضا عن النفس داءٌ تكلَّم عنه العلماء من قديم الزمان، قال ابن الجوزي -رحمه الله- في (صيد الخاطر) :"المصيبة العظمى رضا الإنسان عن نفسه، واقتناعه بعلمه، وهذه محنةٌ قد عمَّت أكثر الخلق، وقديمًا قالوا في الحِكَم أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل يقظة عدم الرضا عنها، ولئن تصاحب جاهلًا لا يرضى عن نفسه خيرٌ لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه".
إذن هذه المشكلة هي رضا الإنسان عن نفسه، يرى نفسه في أحسن حال، فإذا رأى نفسه في أحسن حال كيف سينهض للتغيير؟ كيف سيبدِّل من حاله؟ كيف سيتقدَّم إلى الله تبارك وتعالى ويرتقي في معارج القبول إليه؟
هذه المشكلة -وهي الرضا عن النفس- ما أسبابها؟
سأتحدث عن أسبابها بإيجاز:
السبب الأول من أسباب الرضا عن النفس: المقارنة بمن ظاهره أسوء حالًا، أن أنظر إلى حالي وأنظر إلى من حولي فأرى أنِّي أفضل منهم، وأنَّ حالهم أسوء مني، وقالوا قديمًا: ربما أراك الإحسان منك صحبتك من هو أسوء حالًا منك.