في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده، ثم قوّاه الله بمن آمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى يعجب الزرّاع».
رابعًا: غلبة القدر على تخطيط البشر:
وفي إطار تناول البعد القدري للتحليل السياسي ينبغي التركيز على حقيقة: إحاطة الله بواقع الصراع: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] .
فالصراع له عنصران: الجانب المسلم، والجانب الكافر ..
وإحاطة الله تشمل الجانبين، وكل ما يتعلق بهما ..
ففي الجانب المسلم .. تأتي غزوة بدر كأبرز مثال على إحاطة ما يريده الله بما يريده البشر: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ} [الأنفال:5 - 7] .
يقول الأستاذ سيد قطب في ظلال هذه الآية: «يتبين من هذا الاستعراض أنهم هم لم يكونوا فيها -أي غزوة بدر- إلا ستارا لقدر الله؛ وأن كل ما كان فيها من أحداث، وكل ما نشأ عنها من نتائج - بما فيها هذه الأنفال التي تنازعوا عليها - إنما كان بقدر الله وتوجيهه وتدبيره وعونه ومدده ..
أما ما أرادوه هم لأنفسهم من الغزوة فقد كان شيئا صغيرا محدودا، لا يقاس إلى ما أراده الله لهم، وبهم، من هذا الفرقان العظيم في السماوات وفي الأرض .. ذلك الذي اشتغل به الملأ الأعلى، إلى جانب ما اشتغل به الناس في الأرض، وما اشتغل به التاريخ البشري على الإطلاق ..
ويذكرهم أن فريقا منهم واجه المعركة كارها؛ كما أن فريقا منهم كره تقسيم الأنفال وتنازع فيها؛ ليروا أن ما يرونه هم، وما يكرهونه أو يحبونه، ليس بشيء إلى جانب ما يريده الله سبحانه ويقضي فيه بأمره، وهو يعلم عاقبة الأمور».
هذا بالنسبة لدور الجانب المسلم في الصراع ..
أما الجانب الكافر .. فمهما كانت قوته، فهو لا يخرج عن قدرة الله وتقديره: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ} [إبراهيم: 46] ..
وفي هذا الإطار تظهر مشكلة يجب حسمها، وهي مسألة العلو اليهودي الطارئ، لأن هذه المسألة تأتي خطورتها من الفهم الخاطئ للآيات الواردة فيها؛ حيث يتحدد هذا الخطأ في الاعتقاد الجازم بحتمية أبدية للعلو اليهودي!
ويغذي هذا الفهم اليهود أنفسهم من خلال كتابات [1] معينة يخرج قارئها بتصور يفسد عقيدته، حيث يعتقد أن اليهود يفعلون ما يريدون، وأنه ما من حركة أو سكنة إلا وهي جزء من خطة يهودية شاملة.
هذا التصور شرك صريح .. فالله وحده هو الفعال لما يريد .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. وعقيدة التوحيد ترفض هذا الوهم، والواقع شاهد على ذلك.
(1) مثل بروتوكولات حكماء صهيون.