ومن هنا قال سبحانه: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، فنلاحظ أنَّ الله هو الذي أمكن منهم ..
وهذه هي القاعدة القدرية العامة في العهود ونصها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَا نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ قَطُّ إِلاَّ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ» [1] .
ثالثًا: مراعاة السنن الثابتة:
مثل التفسير القدري للاختلاف كصيغة من صيغ العذاب الواقع علينا، وتحقيق موجبات الرحمة التي يرفع بها هذا العذاب، واعتبار هذه الموجبات أسبابًا مباشرة في معالجة الاختلاف.
وكذلك معالجة الفتن القائمة بين المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبار أن ترك هذا الأمر هو السبب في ضرب قلوبنا بقلوب بعض، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَتَأخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأطِرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّه عَلَى الحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ ليَلْعَننكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» [2] .
غير أن موضوعية البعد القدري للتصور السياسي تتمثل بصورة نهائية في الوصول بالدعوة من مرحلة الاستضعاف وخشية الاختطاف إلى مرحلة التمكين والعالمية، إذ إن تجاوز الدعوة لجميع مراحلها لا يمكن أن يتحقق إلا بصورة قدرية.
ولعل حادثة أصحاب الفيل التي حفظ الله بها البيت تهيئة لظروف الدعوة؛ ولعل الصراع بين الروم والفرس الذي أجهد الدولتين تحقيقًا لتلك التهيئة .. دليل على هذا البعد.
كما قال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] .
يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفًا، فأجابه الواحد بعد الواحد، حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفًا، فيقوى حالا بعد حال، حتى يغلظ نباته وأفراخه، فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان» .
فنلاحظ من كلام القرطبي توافق الدعوة مع سنن في الزرع، حيث تبدأ عملية الإنبات بفعل إلهي بحت لا دخل لبشر فيه: إرسال الرسول أو بعث المجددين [3] .. كما قال سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة:63 - 64] .
ثم يليه إخراج الشطء، ثم المؤازرة، فالاستغلاظ، فالاستواء ..
يقول الزمخشري في الكشاف: «وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعليّ، وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه
(1) رواه ابن ماجه في الفتن، باب: العقوبات (2/ 133/ ح 4019) ، وذكره الحافظ في الفتح (10/ 203) .
(2) رواه أبو داود (4336) ، وابن ماجه (4006) ، والترمذي (3047) .
(3) روى الإمام أبو داود (4/ 109، 4291) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ، وصححه الألباني في الصحيحة (599) .