الصفحة 94 من 164

فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ .. نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الإِسْلَامِ، فَيَجْعَلُ اللهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَيَقْتُلُونَ مَقْتَلَةً -إِمَّا قَالَ: لَا يُرَى مِثْلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَمْ يُرَ مِثْلُهَا- حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا» [1] .

ومن المثال الخاص «الملحمة» إلى القواعد القدرية العامة:

القواعد القدرية العامة للتحليل السياسي:

أولًا: الطاعة المطلقة لله المحققة لمهابة الأعداء لنا:

فالمواجهة السياسية يجب أن تقوم على الطاعة المطلقة لله، لتحقيق المهابة لنا في قلوب أعدائنا؛ لأن هذه المهابة هي حقيقتنا في قلوب أعدائنا، وقوتنا في شعورهم، وحجمنا في تصورهم، وتبعًا لهذه المهابة تكون الممارسة السياسية في الواقع، والله قادر على أن يجعل لنا في قلوب أعدائنا تلك المهابة، وهو قادر أيضًا على أن يجعلهم يروا ضخامة حجمنا في تصورهم بشكل مادي بحت.

غير أن للمهابة أسبابًا:

أهمها الوجود الإسلامي الصحيح لأصحاب الدعوة، حيث يصيروا بهذا الوجود كالقسورة التي تفر منها الحمر المستنفرة [2] .

ومنها التمسك بالجهاد؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا» [3] ، وقال في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم» [4] إلى آخر الحديث.

وابتداء من نشأة الحركة حتى إقامة السلطة .. لا يغيب البعد القدري، لنرى أن أهم حقائق تلك السلطة -قرشية الخليفة- مثالٌ هامٌّ للمقتضيات القدرية التي يجب الالتزام بها في التصور السياسي للدعوة، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة في قريش» [5] .

فلا يسمح التصور السياسي للدعوة بالجدل أو الإعمال العقلي البحت حول هذه الحقيقة؛ لأنها حقيقة قدرية خالصة.

ثانيًا: التفويض والتوكل:

وأهم الحقائق القدرية في التصور السياسي: الوفاء بالعهود والمواثيق؛ ذلك لأن الله لا يحب الخائنين .. فإذا بدت مصلحة لكنها لا تتحقق إلا بنقض العهد؛ فهذه المصلحة باطلة سياسيًّا.

وفي المقابل فإن التصور السياسي يقيم العهود والمواثيق بقاعدة التوكل على الله بعد استفراغ الجهد في التفكير والتقييم والتحليل والتوقع.

(1) أخرجه أحمد (4/ 91، 5/ 371، 409) ، وأبو داود (2/ 512) ، وابن ماجه (2/ 1369) .

(2) كما في قوله تعالى عن الكافرين وموقفهم من الإسلام: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} .

(3) رواه الحاكم والبزار وابن ماجه.

(4) رواه أبو داود في الملاحم (4/ 108/ ح 4297) ، وأحمد (5/ 278) .

(5) أخرجه أحمد في المسند (4/ 185) ، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1851) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت