البعد القدري والرؤية المستقبلية
ومن أخطر قضايا البعد القدري للتصور السياسي تحديد الرؤية المستقبلية للدعوة .. باعتبار أنها قضية غيبية تنبني على واقع، ولا يجوز فيها الاكتفاء بدراسة الواقع لاستنباط اتجاهات المستقبل من خلاله فقط، ولا مجرد الإحالة إلى النصوص الغيبية، وتعليق العمل المنهجي على تحقق النبوءات، ولكن يكون بالإحكام المنهجي بينهما.
وأبرز تطبيقات هذا الإحكام .. ربط منهج الدعوة بعلامات الساعة، وأساسها أحاديث الفتن والملاحم؛ ومنها الملحمة التي تكون بين المسلمين والصليبيين، حيث تجتمع كل عناصر الصراع بين الحروب الصليبية من الناحية التاريخية والواقعية، والملحمة من الناحية المستقبلية.
حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن الملحمة:
«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ المَدِينَةِ، مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ المُسْلِمُونَ: لَا وَاللهِ .. لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ، لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الغَنَائِمَ .. قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ المَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ فِي المَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ» [1] .
من هذا الحديث نستطيع تحديد العناصر القدرية للصراع بما يلي:
الأول: دخول النصارى في الإسلام:
حيث إنَّ أول سبب ظاهر للصراع يذكره الحديث هو طلب الروم استعادة من أسلموا منهم، يقول الإمام النووي: «رُوِيَ (سُبُوا) عَلَى وَجْهَيْنِ: فَتْح السِّين والبَاء، وَضَمّهمَا. قَالَ القَاضِي فِي المشَارِق: الضَّمّ رِوَايَة الأَكْثَرِينَ. قَالَ: وَهُوَ الصَّوَاب.
قُلْت: كِلَاهُمَا صَوَاب، لِأَنَّهُمْ سُبُوا أَوَّلًا، ثُمَّ سَبَوْا الكُفَّار، وَهَذَا مَوْجُود فِي زَمَاننَا، بَلْ مُعْظَم عَسَاكِر الإِسْلَام فِي بِلَاد الشَّام وَمِصْر سُبُوا، ثُمَّ هُمْ اليَوْم بِحَمْدِ اللَّه يَسْبُونَ الكُفَّار، وَقَدْ سَبَوْهُمْ فِي زَمَاننَا مِرَارًا كَثِيرَة، يَسْبُونَ فِي المَرَّة الوَاحِدَة مِنْ الكُفَّار أُلُوفًا، وَلِلَّهِ الحَمْد عَلَى إِظْهَار الإِسْلَام وَإِعْزَازه» [2] .
وقد تقرر من قبل أن من عناصر الصراع الصليبي ارتباطه بظاهرة دخول النصارى في الإسلام، وهو العنصر الذي سيبقى حتى الملحمة مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم، والسياق التاريخي الثابت للحروب الصليبية يبدأ بإقبال النصارى على الإسلام، وهو نفس السياق القائم الآن في الغرب، وخصوصا أن الانتماء للإسلام في الفترة الأخيرة انتماءٌ سلفيّ صحيح.
الثاني: العِرْق:
حيث كان الروم -أو أوروبا- هم العرق المكون «للنصارى» في الحروب الصليبية، ويمثلهم اليوم أوروبا وأمريكا، ليبقى عرق الروم هو العرق الأساسي
(1) أخرجه مسلم (2897) .
(2) شرح النووي على صحيح مسلم.