الصفحة 91 من 164

ولهذا نجد في واقع الدعوة الصحيح المواقف التي تؤكد صفة الربانية بصورة واضحة.

فعند تحليل الأحداث من المنظور المادي البحت يظهر ارتباط الأحداث ببعضها كسبب ونتيجة، وفعل ورد فعل، ودوافع وأغراض، وعلاقة الحدث بأصحابه وظروفهم ..

ولكن من المنظور القدري من حيث علاقة الأحداث بالسنن الثابتة وأحاديث آخر الزمان، نجد تحليل الواقع الجاهلي العام على مستوى العالم له عناصر أساسية أهمها:

1 -الهيمنة الصليبية المتمثلة في زعامة أمريكا وأوربا للعالم.

2 -العلو اليهودي.

3 -العمالة والكفر على مستوى الحكومات المسيطرة على مواقع الدعوة.

4 -الفقر والجهل على مستوى الشعوب المحيطة بمواقع الدعوة.

فنجد أن عناصر هذا التحليل المادي للواقع الجاهلي تؤكد اجتماع الجاهلية وتحزبها بكل مستوياتها العالمية الحكومية والشعبية ضد الدعوة؛ مما قد يحدث في نفوس الدعاة منتهى اليأس والإحباط.

فيأتي المنظور القدري فيحقق غاية الرجاء من خلال إثبات سنة الله الثابتة بهزيمة الأحزاب، من هنا استبشر الرسول صلى الله عليه وسلم لما اجتمعت الأحزاب عليه؛ لأن تحزب الأحزاب معناه تحقيق فعل من أفعال الله القدرية وهو هزيمة الأحزاب.

وبذلك يصبح التصور القدري للأحداث بعدًا أساسيًّا من أبعاد النظرية السياسية .. هذا من حيث علاقة التصور القدري بالتحليل السياسي.

والواقع: أن البعد القدري للنظرية السياسية .. كان أساسًا حتميًّا لتحليل مواقف متعددة في تاريخ الدعوة، ما كان لنا أن ندركها إلا من خلال هذا البعد.

ولعل أبرز هذه المواقف طلب يوسف عليه السلام الوزارة في ظل حكم غير شرعي .. ذلك لأن قصة يوسف عليه السلام بأكملها تحقيق قدري للرؤيا التي رآها بالتمكين له في الأرض. وفي إطار هذا التصور كانت جميع أحداث القصة وأبرزها وضع السقاية في رحل أخيه؛ حيث عقبت الآيات على هذا التصرف بقوله سبحانه: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} [يوسف:76] .

وعلى هذا؛ فلا يحتج بهذا الموقف سياسيًّا، إذ يعتبر من الناحية الفقهية أحوال أعيان لا يقاس عليها.

ومن أمثلة تلك المواقف في تاريخ الدعوة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم: قطع أشجار اليهود في غزوة بني قريظة؛ حيث أنكر اليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم قائلين له: أتنهانا عن الفساد وأنت تأمر بقطع الشجر؟! فأنزل الله عز وجل: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ} [الحشر:5] .

فهذا تصرف قدري بحت، فعله رسول الله بإذن ربه، والقدر فوق الشرع؛ ولكن هذا التصرف القدري لا يؤثر على القاعدة الثابتة في الحروب -ومنها النهي عن قطع الأشجار- إلا أن يكون الأمر لأسباب عسكرية بحتة، فيجوز ذلك اضطرارًا، ولكن لا يحتج بفعل رسول الله في غزوة بني قريظة على الجواز المطلق من حيث التحليل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت