الصفحة 86 من 164

البعد الاقتصادي:

والبعد الاقتصادي للنظرية السياسية بُعدٌ منطقي؛ لأن المال له قوة نفسية واجتماعية بلغت حد الأثر في العقيدة والإيمان الذي أنشأ الخوف الشديد على أصحاب الدعوة من فتنة المال، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزُّخرُف:33 - 35] .

ومن أجل هذا التأثير نستطيع أن نقول: إن أخطر أحداث الدعوة كان إنفاق عثمان بن عفان قافلته على المسلمين، وإن أخطر أحداثها من الجانب الآخر كان قرار مقاطعة قريش لبني عبد مناف الاقتصادية.

وليس أدل على أثر الاقتصاد السياسي من دعاء موسى بحسم الصراع بينه وبين فرعون في قوله سبحانه: {رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 88] .

وكذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بحسم الصراع مع قريش بقوله: «اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف» [1] ، وفي رواية: «بسبع كسبع يوسف» .

ولأجل هذا الأثر الاقتصادي على الدعوة كانت العلاقة بين الممارسة الاقتصادية والسياسية تلقائية في فهم الصحابة.

وهذا ثمامة يرجع إلى قومه مسلمًا يعلن لهم إسلامه ويعلن لقريش مع إسلامه: لقد أسلمت، ولن تأخذوا حبة قمح حتى يأذن لكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] .

وبهذا الفهم التلقائي أدركت إحدى النساء مغزى تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أعطى قبيلتها مالًا وزادًا، ثم أخذ يحارب القبائل الأخرى فقالت: والله ما أرى أن محمدًا قد ترككم بعد أن أعطاكم هذا المال والزاد ثم ذهب ليقاتل القبائل غيركم إلا لأجل شيء يريده منكم، وأرى أنه الإسلام .. فأسلمت وأسلمت معها القبيلة [3] .

كما يتساوى البذل بالنفس والبذل بالمال في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا» [4] ، فتساوى التجهيز بالمال للغزو والخلف في الأهل بعد الغزو .. مع الغزو نفسه عند الله سبحانه وتعالى.

والحقيقة أن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة هي نفسها العلاقة بين العمل العسكري والسياسة، وذلك في مضمون فرض الإرادة.

فكما أن التصور العسكري يفرض إرادة المنتصر، فإن الجزية هي التي تبقي على فرض تلك الإرادة.

من أجل ذلك كان اعتبار عنصر المال من أخطر عناصر الدعوة المحققة لأهدافها، ولكن هذا العنصر المهم في ذاته تعتبر نتيجته خطيرة في ذاتها؛ لأن

(1) أخرجه البخاري (8/ 436/ ح 4823 - فتح) ، والترمذي (5/ 389/ ح 3254) .

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) أخرج القصة البخاري في التيمم، باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم (1/ 531/ ح 344) .

(4) رواه البخاري في الجهاد، باب: فضل من جهز غازيًا (6/ 59/ ح 2843 - فتح) ، ومسلم في الإمارة، باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله تعالى بمركوب وغيره: (5/ 13/40 - نووي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت