المال هو فتنة هذه الأمة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» [1] .
ولعل قصة ثعلبة [2] الذي نزل فيه قول الله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة: 76] .. دليل على شدة خطر المال على النفس، وحتى لا نظن أنها حالة فردية .. كانت هذه المواجهة القرآنية الحاسمة للمؤمنين في غزوة أحد: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ} [آل عمران: 152] .
وعند تعميق الإحساس بخطر المال في واقع الدعوة لن تجد أشد من هذا الموقف الذي نرى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الناقتين اللتين أعدهما أبو بكر للهجرة وهو يقول له: «بالثمن يا أبا بكر» .
إن الظروف أكبر وأقوى من أن يذكر فيه المال ..
لأنهما اثنان مطلوب موتهما يُعدان أسباب نجاتهما ..
ولكنها النبوة التي تضع الأسس وترسي القواعد: «بالثمن يا أبا بكر» .
كما لن نجد حقيقة تدل على خطر المال أقوى من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين» [3] .
الشهيد .. ! الشهيد .. ! نعم .. إلا الدَّين.
فإذا كان هذا مع الشهيد، فليس لأحد من المسلمين خروج عن حساب المال.
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل قبل أن يصلي على الجنازة: «هل عليه من دَين؟» فإن قالوا: نعم، قال: «صلوا على صاحبكم» إلا أن يقول رجل: دَينه علي [4] .
ذلك لأن الزهد القلبي هو الذي يحقق المعادلة بين ضرورة المال للدعوة وخطورة المال على الدعاة، لأن الزهد ليس معناه ألا أملك .. ولكن معناه القدرة على إنفاق ما أملك.
ومن هنا أصبح النجاح في تحقيق أساس اقتصادي للدعوة هو دليلٌ أصليٌّ وجوهريٌّ على صحة الإيمان، ولعل الدليل على ذلك المثل الذي ضربه القرآن في قوله عز وجل: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] .
وكما تدل النفقة قبل الفتح على قوة الإيمان فإنها تدل كذلك على دقة أثر المال في الدعوة، وذلك لاختلاف أثر النفقة قبل الفتح وبعده، حيث كان للنفقة قبل الفتح أثر أكبر .. من أجل ذلك فإن السياسة الاقتصادية للحركة الإسلامية تقوم ابتداء من مفهوم الزهد الحقيقي في الدنيا.
ومن هنا يأتي دور مجموع نصوص الرقائق المحققة لهذا الزهد لا على أنها نصوص تُحفظ باللسان، بل لتكون واقعًا حيًّا وحياة واقعة لأصحاب الدعوة.
(1) أخرجه الترمذي (26/ 2336) وصححه الألباني.
(2) ورد تضعيف هذه القصة من حيث نسبتها إلى ثعلبة البدري، ولكن ثعلبة المذكور غيره.
(3) أخرجه أحمد (2/ 220، 7051) ، ومسلم (3/ 1502، 1886) .
(4) أخرجه البخاري (3/ 124) .