الصفحة 83 من 164

فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنّ اللّهَ نَظَرَ إِلَىَ أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إلاّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ. وَقَالَ: إِنّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ المَاءُ، تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ. وَإِنّ اللّهَ أَمَرَنِي: أَنْ أُحَرّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: رَبّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ. قَالَ: وَأَهْلُ الجَنّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدّقٌ مُوَفّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لِكُلّ ذِي قُرْبَىَ وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفّفٌ ذُو عِيَالٍ. قَالَ: وَأَهْلُ النّارِ خَمْسَةٌ: الضّعِيفُ الّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ، الّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلًا وَلاَ مَالًا، والخَائِنُ الّذِي لاَ يَخْفَىَ لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقّ إِلاّ خَانَهُ، وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلاّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ. وَذَكَرَ البُخْلَ والكَذِبَ وَالشّنْظِيرُ الفَحّاشُ، وَإِنّ اللهَ أَوْحَىَ إلي: أَنْ تَوَاضَعُوا حَتّىَ لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ علىَ أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَىَ أَحَدٍ» [1] .

والملاحظة العامة في هذا الحديث هو معالجته لعدة مراحل مرتبطة ببعضها:

1 -نظرة شاملة لمرحلة ما قبل البعثة، وبداية الأمر فيها، وإثبات الأصل الذي كان عليه الوجود البشري: «كُلّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا، حَلاَلٌ» .. «وَإِنّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلّهُمْ» .

«إِنّ رَبّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ» .

هذه مقدمة ضرورية للحديث .. لأن الحديث يثبت أهمية النبي صلى الله عليه وسلم بصورة خطيرة .. صورة افتقار البشر جميعًا إلى الرسالة ..

مما يقتضي إثبات افتقاره هو في رسالته إلى ربه.

والرسالة من الله أمر وعلم ..

والأمر من الله: «إِنّ رَبّي أَمَرَنِي» ..

والعلم من الله: «أَنْ أُعَلّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ» ، والعلم يوم بيوم: «مِمّا عَلّمَنِي، يَوْمِي هَذَا» .

ليس لي علم إلا ما علمنيه ربي، وليس لي علم مسبق، إنما أتعلم يومًا بيوم.

وهذه هي المقدمة .. «كُلّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ» .. والمال رمز لكل شيء آتاه الله إنسانًا، فالأصل في عطاء الله الحِلّ.

«وَإِنّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلّهُمْ» .. فكل مولود يولد على الفطرة، والأشياء على حلها ما لم تحرَّم.

ثم جاءت الشياطين «فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ» ..

ونشأ الحرام «وَحَرّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لهُمْ» .

اجتالت الشياطين الدين .. وملأت الأرض بالحرام .. «وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» .. «وَإِنّ اللّهَ نَظَرَ إِلَىَ أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ» .. والمقت أشد الغضب.

«إلاّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ» المتمسكون بدينهم الحق من غير تبديل.

(1) رواه مسلم في الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (6/ 17/197 - نووي) ، وأحمد في المسند (4/ 266) عن عياض بن حمار المجاشعي. انظر: فتح ذي الجلال لتخريج أحاديث الظلال برقم (406) ستجد مصادر أكثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت