الصفحة 82 من 164

حقيقة الاستضعاف:

• ومما يجب الحذر منه .. أن تؤثر الضخامة العددية لأصحاب الدعوة على الإحساس بالاستضعاف؛ لأن الضخامة العددية تسبب اعتزازًا وثقة تؤثر في أسلوب معالجة المشكلات العارضة بين أفراد الدعوة والجاهلية.

فالاستضعاف هو مرحلة ما قبل الوصول للسلطة، حتى لو كان هناك قوة شخصية أو كثرة عددية.

ومعالجة المشكلة العارضة يجب أن ترتبط بمرحلة الاستضعاف للدعوة ولا يجوز تجاوزها.

وقد يكون للقوة الشخصية نفس أثر الضخامة العددية في إضعاف الشعور بالاستضعاف.

وهذا عمر بن الخطاب لم يكن يدانيه أحد في قوته الشخصية، حتى إنه هدد من يحاول تتبعه في الهجرة فقال: «من أراد أن تثكله أمه، ويؤتم ولده، وترمل زوجته .. فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد» [1] .

ومع ذلك كان مستضعفًا؛ لأنه كان مرتبطًا بالجماعة المستضعفة التي لم يُمَكن لها بعد.

الدفاع الاجتماعي يبدأ من بيت الدعوة:

ومن أهم الحقائق المفترضة في صراعنا مع الجاهلية أنه صراع اجتماعي، قائم بين واقع إسلامي وواقع جاهلي.

وافتراض هذه الحقيقة يحتم أن يدخل المسلمون بتلك الصفة الاجتماعية في كل مراحل الصراع .. من لحظة الاستضعاف إلى فرصة التمكين ووقت الامتداد.

والدخول بالأسرة المسلمة في مجال الصراع باعتبارها الواقع الاجتماعي للفرد الداعية .. هو الوسيلة الأساسية لتحقيق الصفة الاجتماعية لواقع الدعوة في هذا الصراع.

فتدخل الأسرة في مجال الصراع، ويأخذ البيت وضعه في اتجاه الحركة، وتدخل معها المشاعر والغرائز في طاقة التحرك، وتنضم فيها الزوجة إلى دوافع العمل، وتتحول بها الذرية إلى إمكانية امتداد بشرى للدعوة؛ فيتحقق التجرد والتحرر والانطلاق الحركي .. مع الارتباط الأُسَري والالتزام الاجتماعي والاحتياج المعيشي.

كما تنشأ الحدود الفاصلة بين الصواب والخطأ بمقياس الدعوة في حياة الدعاة، مثل الحد بين زينة الله التي أخرج لعباده والترف المحظور، وبين السكن إلى الزوجة والركون إليها، وبين السعي المشروع للرزق والانشغال المنهي عنه بالمال، وبين الحب الفطري للذرية والافتتان بها.

كما يتحدد الحد بين ممارسة الدعوة كهواية لا تتعدى حدود الميول الشخصية وبين أن تكون الدعوة رسالة لها حياة الدعاة واستشهادهم [2] .

والواقع أن هناك حديثًا قدسيًّا يعالج قضية المحافظة على البناء الاجتماعي بعد فترة الاستضعاف.

وإليك نصه أولًا:

عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرّفِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الشّخّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلمقَالَ، ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلاَ إِنّ رَبّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمّا عَلّمَنِي، يَوْمِي هَذَا: كُلّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ، وَإِنّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلّهُمْ، وَإِنّهُمْ أَتَتْهُمُ الشّيَاطِينُ

(1) أورده صاحب كنز العمال وعزاه لابن عساكر (هامش أحمد: 4/ 287) .

(2) انظر: «بيت الدعوة» للكاتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت