وظهور أي نقيصة أو خطأ سلوكي لن ينظر له على أنه أمر طبيعي محتمل، ولكن سينظر إلى صاحبه على أنه إنسان سيئ يحاول الوصول إلى مكانة لا يستحقها لينال تقديرًا بغير حق.
كما أن الناس ينظرون إلى أصحاب الدعوة على أنهم الفئة التي من الممكن أن تحكمهم في يوم ما، فيرغبون بصورة قوية في الاطمئنان على أمانتهم وسماحتهم وحسن خلقهم؛ لأن أي خطأ يراه الناس يرتبط في أذهانهم بهذا الاحتمال.
فيقول كل من يرى الخطأ في نفسه: هكذا يفعل أصحاب الدعوة الآن وهم لم يزالوا بعد مستضعفين، فماذا سيفعلون لو كان الأمر بيدهم؟!
وعند حدوث أية مشكلة اجتماعية بين الناس وبين أحد أفراد الدعوة يجب أن لا تأخذ هذه المشكلة صورة العداء بين الجاهلية والإسلام.
لأن احتمال خطأ هذا الفرد المنتسب للدعوة قائم أمام الآخرين، وهذا هو مضمون الموقف الذي نزل فيه قول الله عز وجل: {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ} [النساء: 105 - 107] .
حيث جاء في التفسير:
أن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسُرِق درع لأحد الأنصار، فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم بنو أبيرق، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى ذلك السارق عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقولوا: إن صاحبنا بريء وإن الذي سرق الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا؛ فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس .. فنزلت الآية تبرئ اليهودي.
وفي مثل هذه الحالة يتمثل واجب نصرة الأخ في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلومًا» .. في رد الأخ عن ظلمه [1] «فإن ذلك نصره» .
إن معالجة أي مشكلة عارضة بتلك القاعدة يكون بذاته أفضل أسلوب للدعوة، أما إعطاء المشكلة الاجتماعية العارضة أبعاد العداء بين الجاهلية والإسلام فذلك تصرف باطل.
لأن صورة العداء بأبعاده الكاملة لا تتفق مع المشكلات الشخصية العارضة، مثلما حدث مع موسى والذي استغاثه .. لقد كانت مشكلة عارضة حدثت بين رجل من بني إسرائيل ورجل من الأقباط، وتصرف فيها موسى عليه السلام بصفة شخصية لا تتعلق بمنهج الدعوة ومرحلتيها فقتل القبطي، واعترف بأن هذا العمل من الشيطان:
{وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص: 15] ولكن موسي الذي أقر بأن قتل القبطي كان من عمل الشيطان .. كان سببًا في غرق فرعون وجنوده بصفة منهجية ترتبط بمنهج الدعوة ومرحلتيها، وكان هذا عملًا طيبًا مقبولًا، ولم يكن من عمل الشيطان.
(1) أخرجه البخاري في المظالم، باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما (5/ 117/ ح 2443 - فتح) عن أنس مرفوعًا، وعند مسلم عن جابر وفيه: «لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما .. » الحديث.