الصفحة 80 من 164

ثم يأتي بعد ذلك الدور الجاهلي القائم على استغلال هذه الأوضاع بأبشع صور ممكنة ..

أما من ناحية الجاهلية فقد جاء منها أخطر الأساليب في محاولة الإسقاط الاجتماعي للدعوة، وهي تحريض العناصر الفاسدة على التشبه بالمظهر الإسلامي مع تحريفه، بحيث تسقط مهابة هذا المظهر من نفوس الناس، ويضيع تقديرهم لسماتهم وشكلهم.

وسواء كان انتشار هذه العناصر أمرًا مقصودًا أو حدث بصورة تلقائية فإن النتيجة واحدة.

فكيف تحمي الدعوة نفسها من هذه النتيجة؟

لقد كان الإسلام قادرًا على حماية نفسه من هذه النتيجة يوم كان حكمه غالبًا وأحكامه سائدة، وكان أهم هذه الأحكام هو منع غير المسلمين من التشبه بالمسلمين.

وكان من أخطر هذه الأساليب الجاهلية كذلك هي إيقاع الضرر على العامة وتفسير هذا الضرر على أنه نتيجة حتمية للدعوة؛ ليحدث الانفصال بين العامة والدعوة ..

مثل المقاطعة الاجتماعية التي فرضتها قريش على بني عبد المطلب؛ حتى يمارسوا ضغطًا على أصحاب الدعوة.

ولعل حادثة مقاطعة بني عبد المطلب -المذكورة آنفًا- بإيقاع أضرار عليهم بصفة عامة بسبب أصحاب الدعوة لإيجاد الكُرْه، وإنشاء الحاجز .. مثال تاريخي على هذا الأسلوب.

مفهوم الدفاع الاجتماعي:

والآن لا بد من الدفاع الاجتماعي عن الدعوة.

وهذا المفهوم له عناصر يمكن تحديدها من خلال المحاولة التي تمارسها الجاهلية لإسقاط الدعوة اجتماعيًّا.

• وقد اتفقنا أن أول تلك العناصر هو افتقاد الكيان الواحد المسيطر على الامتداد الاجتماعي، ولما كان وجود الكيان الواحد مرتبطًا بمشكلة الفكر والمنهج .. فإن المعالجة الاجتماعية يجب أن تنفصل عن هذه المشكلة .. بمعنى ضرورة إنشاء سلطة اجتماعية تتولى مواجهة المشكلات الاجتماعية في إطار بعيد عن مشكلة الاختلاف الفكري.

وهذا ما فسره الإمام الجويني حيث قال في كتاب «غياث الأمم في التياث الظلم» : أن يتولى كل عالم في ناحية من النواحي، أو حي من الأحياء، السلطة المفقودة للأمراء في هذا الحي.

• ثم تأتي مواجهة ضياع حق أصحاب الفضل بترسيخ قواعد التعامل الاجتماعي المحددة لهذا الحق:

-حق العلماء الذي يوجب تقديمهم وتوقيرهم وإيثارهم على أنفسنا.

-حق أصحاب السبق الزمني، وهو المقرر في قول الله سبحانه وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [التوبة: 100] .

• ومفهوم الدفاع الاجتماعي يوجب تحديد أساس التعامل الاجتماعي بين أصحاب الدعوة والواقع القائم.

ويجب أن يتقرر ابتداءً أن الناس ينظرون إلى أصحاب الدعوة من خلال مفهوم المثالية؛ لأنهم يمثلون في نظرهم واقع التطبيق الصحيح للدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت