أما وصول الدعوة إلى تعامل الجاهلية كطرف له اعتباره القوي فإن هذا يقتضي فكرًا سياسيًّا تحافظ به الدعوة على هذه المرحلة.
البعد الاجتماعي:
اتفقنا في النظرية السياسية على أن التوافق بين الواقع الحركي والاجتماعي يعتبر شرطًا أساسيًّا في صحتها، وهذا التوافق هو الذي تحاول الجاهلية القضاء عليه، من خلال إنشاء التناقض بين الجانب الحركي والجانب الاجتماعي للدعوة.
والتناقض الذي تحاول الجاهلية إنشاءه يتمثل بصورة أساسية في الإسقاط الاجتماعي للدعوة، هذا الإسقاط الذي يُظهِر الدعوة بصورة متردية ومنحطة، لا تتوافق مع مستوى قضية الدعوة وواقعها الحركي.
ومحاولة الإسقاط الاجتماعي للدعوة أسهل من مواجهتها فكريًّا؛ ذلك لأن هذه المحاولة سيكون التعامل فيها مع الإنسان بضعفه ونقائصه، الأمر الذي يختلف عن المواجهة الفكرية التي سيكون التعامل فيها مع النصوص الشرعية الثابتة.
وكما أنها أسهل فهي أخطر .. ذلك لأن الناس في البداية لا يتعاملون مع الدعوة كقضية فكرية قبل رؤيتهم لصورة الدعوة الاجتماعية .. وعلى هذا فإن الإسقاط الاجتماعي يعني قطع الصلة وبصورة نهائية بين الناس والدعوة.
ومحاولة الإسقاط الاجتماعي للدعوة بدأت من الأيام الأولى ..
وكانت هذه البداية هي وضع واقع الدعوة في ميزان التصور الاجتماعي الجاهلي.
فاعتبرت الجاهلية أن النبي صلى الله عليه وسلم أبتر؛ لأنه لا ولد له.
كما اعتبرت النبي صلى الله عليه وسلم لا يستحق النبوة؛ لأنه ليس رجلًا من القريتين عظيم.
واعتبرت أن الدعوة ليست صحيحة؛ لأن أتباعها فقراء.
ولكن هذه البداية لم تنجح؛ لأن الدعوة فرضت تصورها الاجتماعي، وأسقطت التصور الاجتماعي الجاهلي ذاته.
ولعل أبرز مواقف المحاولة الجاهلية كان عند المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ ذلك لأن المؤاخاة كانت علاقة اجتماعية كاملة تحققت كمقتضى للتوافق بين الجانب الحركي والاجتماعي للدعوة، فبلغت الجاهلية أقصى ما عندها في مواجهة هذه المؤاخاة؛ سواء من جانب المشركين أو المنافقين أو اليهود، ولكن المحاولات فشلت حتى تحقق الهدف من المؤاخاة ثم تقرر العودة بالعلاقة الاجتماعية إلى أساسها الطبيعي، وهو صلة الدم والقربى بعد أن كان الأساس الحركي هو أساس العلاقة في موقف المؤاخاة [1] .
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: 6] .
{وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] وإذا التقطنا هذا الخيط فإننا ندرك أن واقع الدعوة -منذ البداية حتى الواقع القائم الآن- كان محاولة لتحقيق التوافق بين الجانب الحركي والاجتماعي بإنشاء الواقع
(1) وهو معنى قول الله عز وجل: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} .