الصفحة 77 من 164

مهديا [1] .

-وفي فتح مكة حين قال سعد بن عبادة لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة سعد فقال: «اليوم يوم المرحمة» .

-وحين أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب لقتال خيبر، وقال علي: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال رسول الله: «على رسلك! حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» .

-وبلغ حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية قومه مبلغًا عظيمًا، فكان يحزن حزنًا شديدًا، على عدم إيمانهم، حرصًا منه على الخير، ونصحا لهم.

فلهذا قال تعالى عنه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} [الشعراء: 3] أي: مهلكها وشاق عليها، {أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} أي: فلا تفعل، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الهداية بيد الله، وقد أديت ما عليك من التبليغ، وليس فوق هذا القرآن المبين آية، حتى ننزلها، ليؤمنوا بها، فإنه كافٍ شافٍ، لمن يريد الهداية [2] .

-وفي قوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} دعوة واضحة للتجرد من الشعور الشخصي بين المسلمين وأعدائهم وأن يكون إحساسهم بأعدائهم مرهون بالمنهج ومقتضياته.

يقول سيد قطب في ظلاله تعليقًا على هذه الآية:

«هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد، والشر بالشر، ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره، وقتما يريد ..

وهكذا .. يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر، ومكمن الدسيسة؛ ويعبئ مشاعر المسلمين تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم ..

ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله؛ ينتظرون أمره، ويعلقون تصرفهم بإذنه ..

وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة، ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة» [3] .

فتقرير مبدأ القوة في التصور السياسي .. مرتبط بالهدف والواقع .. والتصور السياسي هو الحكم المنهجي لتلك الممارسة.

وبذلك يعني مفهوم سياسة القوة: الحفاظ على الهدف النهائي للدعوة من خلال خط الممارسة العسكرية، بحيث لا تنفصل هذه الممارسة عن هذا الهدف النهائي .. وذلك باعتبار أن السياسة هي التي تتبنى تحقيق هذا الهدف من خلال أساليب الحركة المتعددة.

إن الظهور العسكري البحت أو الغالب للدعوة هو الذي سيحرمها من التعاطف الذي يمثل الجذور الحقيقية لحجم كيانها في الواقع.

إن المعيار النهائي لبعد القوة هو حماية الدعوة من محاولة الجاهلية الهادفة إلى اقتلاع الدعوة من الواقع أو الاستهانة بها في التعامل.

(1) انظر: بداية الفصل الرابع عند الحديث عن الهداية.

(2) انظر: تفسير السعدي للآية.

(3) في ظلال القرآن لسيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت