الصفحة 66 من 164

وذلك أن غاية الدعوة هي أن يؤمن الناس، وعندما يتمكن أصحاب الدعوة من التعامل المباشر مع الناس فإن هذا الأمر تكون له أهمية ضخمة قد تقترب من أهمية محاولة إقامة السلطة الإسلامية؛ لأن هدف هداية الناس هو أهم أسباب قيام هذه السلطة.

كما نعلم أن إسقاط الحكم الجاهلي هو إزاحة لأخطر أسباب منع وصول الحق إلى الناس، وعندما تنشأ ظروف الدعوة التي تتاح فيها إمكانية وصول الحق إلى الناس .. تكون قد تحققت نتيجة أصلية هي نفسها أهم نتائج إسقاط الحكم الجاهلي وإقامة الحكم الإسلامي.

ومن هنا كان من أهم معاني الفتح [1] معاهدة الحديبية؛ لأن هذه المعاهدة هي التي أتاحت هذا الاتصال المباشر بين المسلمين والكفار، فحقق هذا الاتصال إيمان تسعة أعشار المسلمين الذين كانوا في فتح مكة، فسمَّى الله معاهدة الحديبية فتحًا مبينًا؛ لأن لها حقيقته وغايته، وهي أن يؤمن الناس ..

وكما ترجع قيمة فرصة الاتصال بالناس إلى نتيجتها، ترجع إلى سببها.

إن الجاهلية لا تتيح هذه الفرصة .. بغير حساب.

إنها تتيحها تسليمًا بأقل الأخطار عليها.

إن الجاهلية تُوازِن كما وازنت قريش فوافقت على المعاهدة، وأعطت فرصة الدعوة عندما أيقنت أنها أمر واقع لا يمكن مواجهته، وعندما أيقنت أن استنفاد طاقة الدعاة في الدعوة بالكلمة هو البديل الحتمي لممارسة القوة.

فالفرصة لها ثمن، والفرصة ليست رخيصة، وليست عارضة ..

إنها محسوبة وبدقة من جانب الطرف الجاهلي الذي سلَّم بحركة الدعاة المتجهة إلى الناس.

وباعتبار أن عنصر الكثرة هو أهم عناصر العوام، فإن تحقيق الإضلال لهم أصبح أكبر أهداف الشيطان؛ لأن الشيطان يسعى أن يموت أكثر الناس على الكفر.

ومن هنا فإن التعامل المباشر مع الناس هو الذي يقطع على الشيطان هدفه في الإضلال العام.

وقد تكون مهمة إسقاط الحكم الجاهلي بالصفة الانقلابية أخطر وأشد؛ ولكن دعوة الناس مباشرة تستوعب أكبر عدد ممكن من هؤلاء الناس.

وهذا هو الذي يعطي لأسلوب الاتصال المباشر بالناس أهمية وقيمة.

فليست الخطورة معنى مرادفا للأهمية في منهج الحركة، فقد يكون الأمر أقل خطورة وأكثر أهمية، أو أقل أهمية وأكثر خطورة.

والتوجه للعامة هو الذي يحقق أكبر فرصة لاستخلاص الطاقات الصالحة للحركة ..

فهناك في واقع الناس معادن مغمورة يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» [2] .

إن التوجه إلى الناس لا يعني أن يؤمن كل الناس، فإذا كانت الاستجابة قليلة فإن هذه القلة هي النتيجة الطبيعية؛ وإدراك هذه الحقيقة يعالج اليأس الذي قد يطرأ على أصحاب الدعوة إذا بذلوا جهدًا ضخمًا مع الناس.

يقول سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] ..

(1) وذلك في تفسير قول الله عز وجل: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} .. الفتح هنا: معاهدة الحديبية.

(2) أخرجه البخاري (6/ 608 / ح 3493، 3496 - فتح) ، ومسلم في الفضائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت