فعندما بلغه أنهم خرجوا بالعوذ المطافيل [1] لقتاله فقال: ويح قريش! لقد أكلتها الحرب، خلوا بيني وبين القبائل، فإن كان الأمر لي عليهم كان شرفًا لهم وإن كان الأمر لهم عليَّ .. كان ما يرجون [2] .
نفس منطق المصلحة يتحدث به الرسول إلى أعدائه ليوجههم إلى الموقف المناسب للدعوة.
وبعد هذه النماذج .. تبقى المفاوضات والمعاهدات هي الاتجاه الجامع لتفسير معنى الدلالة السياسية، باعتبار أن المفاوضات والمعاهدات هي الموقف السياسي الجامع بين الاتجاه الإسلامي والجاهلي.
والدلالة الثابتة التقليدية للمعاهدات من أي طرف هي:
(1) إثبات وحدة الموقف.
(2) فرض الإرادة السياسية.
(3) تحقيق مكاسب عملية.
ومن الطرف الآخر يكون الهدف هو هدم هذه الأهداف وتضييع هذه الدلالات.
مثلما قال المفاوض عن قريش للرسول صلى الله عليه وسلم في معاهدة الحديبية: يا مُحمدُ جمعت أوباش الناس ثُم جئت بهم لبيضتك لتفُضها، إنها قُريشٌ! .. وايم الله لكأني بهؤُلاء قد انكشفُوا عنك غدًا ... ثم تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن شعبة واقفٌ على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد قال يقرع يده ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل والله لا تصل إليك! قال: ويحك ما أفظك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أغدر؟! هل غسلت سوأتك إلا بالأمس ...
فقام من عند رسُول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبسق بساقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيءٌ إلا أخذوه.
فرجع إلى قريشٍ فقال: يا معشر قريشٍ إني جئت كسرى في ملكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكًا قط مثل محمدٍ في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيءٍ أبدا [3] .
ومثلما حاول مفاوض الفرس في معاهدته مع المسلمين إنشاء شرخ في بناء موقفهم السياسي، فاتفق مع المفاوض المسلم على معاهدة الصلح، وأخبره أنها تبدأ من اليوم الذي تم فيه عقد هذا الصلح.
ثم جاء في اليوم الثاني مفاوض آخر فوافقه مفاوض الفرس على المعاهدة وأخبره أنها تبدأ من اليوم الذي جاء فيه المفاوض الثاني، فرفض المفاوض المسلم أن يكون بدء المعاهدة من اليوم بل من الأمس كما حدد ذلك أخوه السابق عليه.
وبذلك تتحقق وحدة الموقف وتخفق خطة الفرس في التفريق بين المفاوضين المسلمين، حتى ولو بفارق يوم في تحديد تاريخ المعاهدة.
(1) العوذ: جمع عائذ وهي التي لم تلد، والمطافيل: جمع مطفل وهي التي لها طفل.
(2) ذكره ابن هشام في سيرته (3/ 356، 357) ، ووصلها عبد الرزاق في مصنفه (97206) ومن طريقه البخاري في الشروط (5/ 388/ح 2731، 2732 - فتح) مطولا وفي المغازي (7/ 158/ح 4178، 4179) .
(3) مسند أحمد ح 18910.