الصفحة 62 من 164

ولكن تحالف اليهود مع الأنصار قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم -والذي لم يزل قائما بعد دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة- كان يمثل مشكلة خطيرة .. فما الموقف .. ؟!

كان الموقف السياسي .. هو إحالة أمرهم إلى الأنصار أنفسهم، فطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا على حكم من يختارون.

فكان من الطبيعي أن يكون اختيارهم من الأنصار باعتبار التحالف الذي بينهم؛ فاختاروا سعد بن معاذ سيد الأنصار.

تقول كتب السيرة: «فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت ..

فلما كلمته الأوس قال: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذاك إلى سعد بن معاذ .. فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلًا جسيمًا جميلًا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم؟ فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل. فنعى لهم رجال بني قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه.

فلما انتهي سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم ... » فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله قد أمر مواليك لتحكم فيهم؛ فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من ها هنا، في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله إجلالًا له؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» ؛ قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» [1] .

6 -توجيه أعداء الدعوة لما يناسب مصلحتها:

فعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان معه يعبد الأوثان من الأوس والخزرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة: آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم ..

فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ! ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم؛ يريدون أن تقاتلوا بأبنائكم وإخوانكم» فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا [2] .

وهذا الموقف يتضمن قاعدة سياسية مهمة وهي توجيه أعداء الدعوة إلى اتخاذ الموقف المناسب للدعوة .. بمنطق المصلحة لهؤلاء الأعداء.

وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبدة الأوثان الذين اجتمعوا لقتاله، وما فعله مع قريش ذاتها ..

(1) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب: إذا نزل العدو على حكم رجل (6/ 191/ح 3043) مختصرًا، ورواه أحمد بطوله، وذكره الهيثمي في المجمع، وحسنه الحافظ في الفتح (11/ 51) .

(2) رواه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء، باب: في خبر النضير (3/ 155/ح 3004) ، ورواه البيهقي في الدلائل (3/ 178، 179) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت