الصفحة 61 من 164

حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار وراء المشركين بالجيش وأقام ثلاث ليال حتى سميت غزوة حمراء الأسد [1] ، وكان في هذا أيضًا نفي دلالة سلبية وإثبات دلالة إيجابية.

فالوقوف بعد أُحد ثلاث ليال .. لنفي دلالة سلبية .. وهي قبول الهزيمة.

وإثبات دلالة إيجابية .. وهي الإصرار على مواصلة الجهاد بعد حرمان العدو من تحقيق أي نتيجة سياسية لصالحه.

4 -تجريد حدث من دلالة مرفوضة وإثبات دلالة مقبولة:

بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قِبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي خير يا محمد؛ إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل ما شئت، فتُرك حتى كان الغد ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» قال: ما قلت لك؛ إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» قال: عندي خير.

فقال: «أطلقوا ثمامة» . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» [2] ...

والملاحظة الأساسية في الحديث: أن ثمامة في اليوم الأول ذكر الدم والمال؛ لذا تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوطًا؛ لأنه لو أطلقه بعد ذكره الدم والمال لكان معنى الموقف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خاف قومه فأطلقه، أو طمع في الدية أو الفداء.

وفي اليوم الثاني أشار ثمامة إلى ما قاله في اليوم الأول، فلم يطلقه.

أما في اليوم الثالث فلم يذكر ثمامة الدم أو المال فقال: عندي خير فقال: «أطلقوا ثمامة» .

إن القاعدة السياسية التي يتضمنها هذا الموقف هي شرط جوهري في الممارسة السياسية، وإنشاء الموقف السياسي .. وهو الوضوح، ومعناه: أن يكون للموقف تفسير واضح لا يحتمل غيره.

ولذلك ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمامة حتى أصبح لإطلاق سراحه تعبيرٌ واحد ومعنى واحد .. هو الإكرام الذي لا يختلط به معنى الخوف من الثأر أو الطمع في الدية.

5 -حدث قام على حفظ وحدة الموقف:

ومن أخطر دلالات الموقف السياسي حفظ وحدة الموقف الإسلامي، فحينما غدر يهود بني قريظة بالمسلمين في غزوة الخندق وتحالفوا مع المشركين .. كان لا بد من إجلائهم؛ لأن وجودهم كان مرهونًا بالمعاهدة التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) روى ذلك ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والسيوطي في الدر المنثور ص 179.

(2) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي وأحمد، والقصة ذكرها ابن عبد البر في ترجمة ثمامة بن أثال الحنفي (1/ 205) ، والحافظ في ترجمته وعزاها لابن إسحاق في المغازي والحميدي، وقد تقدمت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت