لَفَعَلْنَا» [1] .
إن مراعاة واقع الجماعة في اتخاذ القرار مبدأ سياسي هام يتجلى واضحًا في كل مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم السياسية [2] .
3 -تحقيق الهدف:
فيجب دراسة أثر الموقف في تحقيق الهدف العام للجماعة من ناحيتيه:
النتيجة العملية، والهدف الدعائي.
فقد يكون للموقف أثر صحيح من الناحية العملية، ولكنه يسبب اهتزازًا لصورة الدعوة في نظر الناس، وهذا الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل عبد الله بن أبي ابن سلول وهو مستحق للقتل قائلًا لعمر: «دَعْهُ! لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» [3] .
ومن هنا كانت الترجيحات هي أساس إنشاء الموقف السياسي بعد ثبوت الترتيب الإجرائي.
فعندما ننشئ موقفًا سياسيًّا بصورة مبدئية، ننظر إلى الحكم الشرعي ..
فإذا ثبتت شرعيته ننظر إلى أثر الموقف على ولاء الجماعة؛ لأن الحفاظ على هذا الولاء أولى من تحقيق أي نتيجة عملية ..
فإذا لم يكن للموقف ضرر على ولاء الجماعة، ننظر إلى نتيجته العملية في الواقع .. فإذا كانت له نتيجة محققة لمصلحة الدعوة .. ننظر في الأثر الدعائي والإعلامي للدعوة ..
فإذا كان للموقف أثر دعائي ضار، يكون من الضروري دراسة إمكانية معالجة هذا الأثر، فإن لم يمكن معالجته، يتم قياسه على المصلحة المتأثرة به ..
فإذا كان تأثيره راجحًا .. فلا نمارس هذا الموقف؛ لأن الضرر الدعائي مفسدة؛ ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وفي إطار الترجيحات الواجبة في إنشاء الموقف السياسي من حيث المآل المقبول والغير المقبول، يجب أن نفرق بين ما قد يصيب الدعوة من ضرر وما يصيب الأشخاص من أذى، فما يصيب الدعوة من ضرر هو المآل غير المقبول، ولكن ما يصيب الأشخاص من أذى هو مآل لا بد أن يكون.
وبذلك يلزم التوقف عن أي عمل يترتب عليه ضرر للدعوة .. كما يلزم عدم التوقف عن أي عمل لمجرد توقع الأذى للأشخاص، بل نعمله مع بذل الطاقة لدفع هذا الأذى والصبر عليه عندما يقع.
والدليل على التفريق بين الضرر والأذى هو قول الله عز وجل: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: 111] حيث إن معنى النص هو أنه لن يضروكم في دعوتكم ودينكم، ولكن قد يصيبوكم في أشخاصكم ودنياكم.
(1) أخرجه مسلم في المغازي، باب غَزْوَةِ بَدْرٍ (4721) .
(2) كما سيتضح إن شاء الله، من عرض نماذج لهذه المواقف.
(3) أخرجه البخاري في التفسير في سورة المنافقون، باب: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ} (8/ 520/ح 4907 - فتح) .. وسيأتي هذا الموقف بالتفصيل إن شاء الله.