الصفحة 53 من 164

تكون إسلامية، وتصير خارج نطاق التجربة.

والإسلام يرفض إثبات اسم دار الإسلام لدولة لا تعلوها أحكام الإسلام، ويعلن الفقه الإسلامي أن الدولة التي لا تعلوها هذه الأحكام ليست محسوبة على الإسلام.

وفي كل مراحل الدولة المسلمة .. كان شرط الدعوة قائمًا، ابتدًاء من الخلافة الراشدة حتى الملك العضوض .. كانت الدعوة.

أما التجارب التاريخية للأمم السابقة في العلاقة بين الدولة والدعوة فإنها تسمح بمتناقضات غاية في الخطورة، فالحضارة اليونانية والرومانية والفارسية .. لم يكن لها اهتمام بالدين. وحتى الحضارة الكاثوليكية التي قامت على حقيقة التعصب الاستفزازي للمسيحية .. كان هذا التعصب فارغًا من مضمون الدعوة.

حيث كانت صيغة هذا التعصب هي المزايدة بين الأمراء والاتهامات بالهرطقة والسيطرة المقيتة لرجال الدين .. كانت هوسًا فارغًا من مضمون الدعوة. حتى مثال الدولة اليهودية كرمز للربط بين الدولة والدين يثبت ويؤكد أن دولة الدعوة ليست إلا الإسلام؛ لأن اليهود ليست لهم أية صلة باليهودية.

ومن هنا استحقت الدعوة الإسلامية -دون غيرها- أن تكون المقيمة لدولة الحق، واستحقت الخلافة الإسلامية أن تكون المقيمة لحضارة الحق.

(ب) المضمون الحضاري لدولة الدعوة «الحق» :

فلكل حضارة مضمون .. والحركة صانعة الحضارة .. والحق هو مضمون الحركة الإسلامية وحضارتها، ومن هنا يتحدد مقتضى الحق كمضمون للحضارة الإسلامية الذي تنشأ عنه خصائصها المستمدة من حركتها من البداية؛ لتكون هذه الخصائص:

-العدل: متمثلًا في الوحدة في معايير السلوك، والوحدة في معايير التعامل .. {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ} [النساء:135] ، {كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ} [المائدة: 8] .

-العالمية: فإن الحق الذي تتبناه الحضارة يجب أن يستوعب الواقع البشري جميعًا ..

-البقاء: فإن مقتضى الحق الاستمرارية .. «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ» ..

-القوة: فالحق مقتضاه من حيث التعامل السيطرة والظهور ..

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ} [الصف:9] ، من أجل ذلك تصبح القوة التي تفرض بها هذه السيطرة هي أهم مقتضيات الحق باعتبارها أداة تحقيق كل المقتضيات.

(ج) الصيغة السياسية للمضمون الحضاري:

إن قضية الخلافة هي القضية الإنسانية الأولى لأنها ضبط للوجود الإنساني وفقًا لشرع الله سبحانه.

فإننا إذ نحكم قومًا معينين في مكان معين بحكم الإسلام .. فإن ذلك قد يكون سهلًا إذا كان هؤلاء الناس يؤمنون بذلك ويرغبون فيه.

أما إقامة الخلافة التي تعني جمع كل البشر تحت نظام واحد .. فهو الأمر الذي يتطلب الدراسة الوافية.

لأنها الولاية على كل الأجناس، كل القارات، الذين يؤمنون، والذين لا يؤمنون، وبصورة إنسانية راقية .. يشعر فيها كل إنسان بأمنه وحقه ومكانته، رغم اختلاف الطبائع الفردية والجماعية والأممية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت