مِصرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، وَإنِّي أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا، وَعِنْدَ اللهِ صَغِيرًا، وإنَّه لم تكن نُبُوَّة قَطُّ إلا تَناسَخَت حتى تكونَ عاقِبَتُها مُلْكًا، وسَتَخْبُرون وتُجرِّبون الأمراءَ بعدَنا» [1] .
ومن تحليل الوثيقة يتبين: كيف أن الولاية لم تؤثر في إيمان الولاة وارتباطهم بالآخرة واحتقارهم لشأن الدنيا، وكيف أن الولاية لم تنسَ الولاء فترة الاستضعاف، وأنها لا زالت هي الفترة التي تملأ عقله ووجدانه ولم تزحزحها عن ضميره ممارسة الحكم.
وكيف أن الولاية لم تصبه بأمراضها، فنراه يستعيذ بالله أن يكون في نفسه عظيمًا وعند الله صغيرًا، وكيف أن الولاية مرحلة ستمر ولن تبقى لهم وأنه سيأتي ولاة آخرون محددو الصفات والمعالم.
وهذه وثيقة أخرى تتضمن نفس القاعدة وهي وثيقة تعيين أول سفراء بعد إقامة الدولة الإسلامية ..
وهذا بيان بأسماء المعينين وصفات كل منهم:
حاطب بن أبي بلتعة: سفير إلى مصر أرسل إلى المقوقس، وهو بدري شهد الحديبية [2] .
دحية بن خليفة الكلبي: سفير إلى الروم أرسل لهرقل، وهو قديم شهد المشاهد [3] .
سليط بن عمرو العامري: سفير اليمامة أرسل إلى هوذة بن علي وهو بدري له قدم في الإسلام [4] .
شجاع بن وهب الأسدي: سفير إلى دمشق أرسل إلى الحرث بن أبي شمر، من السابقين هاجر للحبشة [5] .
عبد الله بن حذافة السهمي: سفير إلى فارس أرسل إلى أبرويز بن هرمز، مجاب الدعوة من سادة الصحابة [6] .
عمرو بن أمية: سفير إلى الحبشة أرسل إلى الأصم بن أبجر النجاشي، أسلم يوم أحد [7] .
عمرو بن العاص: سفير إلى عمان، أسلم قبل الفتح [8] .
وعندما نقدم هذا النموذج التاريخي لدولة الدعوة، نقدم معه هذه الحقيقة:
إن حقيقة دولة الدعوة لا تتجلى إلا في التجربة الإسلامية؛ لأن دار الإسلام هي الدار التي تعلوها أحكام الإسلام، وعندما لا تعلوها أحكام الإسلام لا
(1) أخرجه مسلم في الزهد (4/ 2278، 2967) ، وأحمد في المسند (4/ 174) عن خالد بن عمير.
(2) انظر: الإصابة (1/ 314) .
(3) انظر: الإصابة (1/ 463) .
(4) انظر: الإصابة (2/ 70) .
(5) انظر: ترجمته في الإصابة (2/ 137) ، والاستيعاب في الإصابة (2/ 157) .
(6) انظر: ترجمته في الإصابة (2/ 287/ت 4622) ، والاستيعاب في الإصابة (2/ 274) .
(7) انظر: الإصابة (2/ 157/ت 5768) .
(8) انظر: ترجمته في الإصابة (3/ 2/ت 5884) ، والاستيعاب في الإصابة (2/ 501) .