-هو ألا يطغى هدف بعينه على بقية الأهداف الموازية ..
-وألا يطغى مجموع الأهداف الموازية على هدف إقامة السلطة، والإعداد لها بالصورة الحركية المباشرة .. لأن هذا الهدف له الاعتبار الأول في الدعوة ..
الخط الثاني: هو أن يكون للمستضعفين في زمن الحركة الولاية في نظام الدولة [1] .. وذلك لأن الدولة والسلطة فتنة، فلا يجب أن يتعرض لها إلا من لا تضره بإذن الله ..
والمستضعفون هم الذين عرضت على قلوبهم الفتن كالحصير عودًا عودًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث [2] .
فالمستضعفون هم الذين لا تضرهم الدنيا والسلطان بعد أن مروا بمرحلة الاستضعاف .. فتوليتهم حرز من فتنة السلطة، وهم -بقلوبهم البيضاء- خير من يحفظ أمانة السلطة.
من ناحية أخرى .. فإن تولية المستضعفين مسألة عدل .. ويدل على ذلك خطبة عمر بن الخطاب التي رواها ابن عمر: خطب عمر بن الخطاب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم فقال:
«استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» [3] .
كما قال عمر أيضًا في موضع آخر: إن الله عز وجل جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمه له، ثم قال: بل الله يقسمه وأنا بادئ بأهل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أشرفهم، نفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر، ثم قال: إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلمًا وعدوانًا، ثم أشرفهم.
ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف، ولمن شهد بدرًا من الأنصار أربعة آلاف، ولمن شهد أُحدًا ثلاثة آلاف، قال: ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء؛ فلا يلومن رجلٌ إلا مناخ راحلته [4] .
وهذه خطبة عتبة بن غزوان التي تمثل الوثيقة السياسية التي يتأكد منها منهج الدعوة في الانتقال من مرحلة الحركة إلى مرحلة الدولة.
عن خالد بن عُمَيْر العَدَوِيِّ، قَالَ: «خَطَبَنَا عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ، وَكَانَ أمِيرًا عَلَى البَصْرَةِ، فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لاَ زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا، لاَ يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللهِ لَتُمْلأَنَّ .. أَفَعَجِبْتُمْ؟! وَلَقدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ مَسيرَةُ أرْبَعِينَ عَامًا، وَليَأتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأيْتُنِي سَابعَ سَبْعَةٍ مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ أشْدَاقُنَا، فَالتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أصْبَحَ اليَوْمَ مِنَّا أحَدٌ إِلاَّ أَصْبَحَ أمِيرًا عَلَى
(1) إذا كانت الأحكام الشرعية تحمي الهدهد الذي كان له الولاء المطلق للدعوة، فكيف بمن كان له هذا الولاء من المسلمين؟!.
(2) عن حذيفة بن اليمان: «تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَهٌ بَيْضَاءُ حَتَّى يَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلا تَضَرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ» أخرجه مسلم (1/ 128، 144) .
(3) رواه أحمد في المسند (1/ 18) عن عمر بن الخطاب، وابن حبان في صحيحه (16/ 239/ح 7254) .
(4) رواه أحمد في المسند (3/ 475) عن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة.