بل تكون الدعوة قضية كل إنسان وحياة كل نسمة في دولة الدعوة.
بل بلغ الأمر أن تكون الدعوة قضية الهدهد في دولة سليمان نبي الله:
فيعرف الشرك: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ} [النمل: 24] ويعرِّف التوحيد: {أَلَّا يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ويعرِّف سبب الشرك: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} ويعرِّف السبيل: {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} .
يتأخر وهو مطمئن؛ لأن معه نبأ عظيم .. نبأ فوق النظام .. نبأ من أجله كان النظام .. يتأخر ومعه عذره؛ لأن معه قضية الدعوة وهي قضية الحاكم وقضية الدولة وقضية الأمة ..
هدهد يعرف أن الدعوة لأهل الأرض جميعهم؛ فيجب ألا يكون شرك في أي مكان، ففي سبأ شرك يجب القضاء عليه .. حتى لو لم تكن سبأ في ملك سليمان.
ودون أن يكون من رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ودون أن يكون من رجال الحسبة .. ودون أن يكون مكلفًا .. أو موظفًا.
فالدعوة هي الضمير .. وهي الوعي والذات .. وهي الهوية.
ولذلك يقول الإمام ابن القيم في شفاء العليل: «ولما كان الهدهد داعيًا إلى الخير وعبادة الله وحده والسجود له .. جاء النهي عن قتله .. » .
لقد كانت دعوة الهدهد ولاءً للدولة الإسلامية، فكان لا بد أن يكون على الدولة الإسلامية واجب حمايته بعد أن أعطاها ولاءه، فجاء نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله ومعه النملة والنحلة [1] . من أجل ذلك يجب أن تكون خطوط الحركة مشدودة إلى هدف إقامة الدولة.
وهذه الخطوط هي أخطر خطوط التصور السياسي للحركة الإسلامية:
الخط الأول: هو أن يكون لقيام الدولة الاعتبار الأول في منهج الحركة وبحسب مقتضيات الواقع وطبيعة الظروف وبكل الإمكانات.
ولكن .. هذا الاعتبار لا يوقف كل كيان الحركة على هذا الهدف؛ إذ إن هناك أهدافًا موازية، ضرورية في ذاتها بصفة شرعية، ومؤدية إلى هذا الهدف الأساسي بصفة حركية ..
وأهم هذه الأهداف:
-رفع الالتباس عن الناس واستفاضة البلاغ -وهو هدف شرعي.
ولكنه -في نفس الوقت بالصفة الحركية- يعني تكوين القاعدة المؤيدة للدولة الإسلامية ونظام الحكم الإسلامي عندما يقوم.
-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -وهو هدف شرعي-، ولكنه -في نفس الوقت بالصفة الحركية- يعني تهيئة الواقع الاجتماعي للإذعان لحكم الله.
-جمع الإمكانات لإقامة الدولة -وهو من إعداد القوة بالصفة الشرعية-، ولكنه -في نفس الوقت بالصفة الحركية- يمثل الحماية التي تحمي الدولة من العجز الإداري والفني عند إقامة السلطة.
والشرط الأساسي في ممارسة تحقيق هذه الأهداف الموازية لهدف إقامة السلطة:
(1) أخرجه أحمد في المسند (1/ 332) ، وأبو داود (5267) ، وابن ماجه (3224) ، جميعًا عن ابن عباس: «نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد» . وصححه الألباني في الإرواء (2490) .