وكذلك نجد في تعبير النبي صلى الله عليه وسلم حرصًا على ألا يطغى الأمر بالقتال على غاية الهداية تحقيقًا للإحكام بين المفاهيم، مثال قوله صلى الله عليه وسلم:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» ثم قرأ: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 21، 22] وذلك حتى لا تطغى مهمة القتال على مهمة التذكير في فهم الناس.
ويشكو صحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل، فيدعو له النبي: «اللهُمَّ ثَبِّتْهُ .. وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» [1] .
واعتبار القوة وسيلة هداية يرجع إلى كونها أساسًا لقيام السلطة الإسلامية التي تعتبر بدورها أساسًا في تحقيق الهداية.
ودليل العلاقة بين القوة والسلطة والهداية هو قول الله عز وجل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3] .
ولذلك يجب أن يكون خط القتال مشدودًا إلى موقع السلطة، لتحقيق العلاقة التي أثبتها القرآن بين النصر والفتح؛ باعتبار أن النصر هو النتيجة العسكرية للقتال، وأن الفتح هو النتيجة السياسية للنصر، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر بعد القتال أيامًا في موقع القتال يقيم الأحكام، لتصبح دار الحرب دارًا للإسلام، ويتحقق الفتح بعد النصر، مثلما انتظر الرسول في مكة بعد الفتح.
وإثبات القرآن للعلاقة بين القتال والسلطة هو الذي يرد أي تصور لقيام السلطة بغير القتال؛ ذلك لأن السلطة الإسلامية هي التي يتحقق بها الإظهار لدين الحق ولو كره الكافرون، ولن يكون ذلك إلا بالقوة، كما أن السلطة الإسلامية هي التي يأمن تحتها المسلم على ماله ودينه وعرضه، ولن يكون ذلك أيضًا إلا بالقوة.
والهداية هي محصلة البعد الاقتصادي بدليل قول الله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار» [2] .
والهداية هي محصلة البعد الجماهيري [3] ..
وفي تحديد معنى الغاية في التصور السياسي عدة حقائق أساسية:
(1) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب: من لا يثبت على الخيل، (56/ 162) .
(2) روى البخاري وأحمد حديثًا بمعناه عن عمرو بن تغلب (6/ 288/ح 3145) ، والمسند (5/ 69) .
(3) كما سيتضح - إن شاء الله - في باب أبعاد التصور السياسي.