بعد أن تجدد عهدها مع الله, وتتجه بقلوبها إليه, وتطلب النصر منه وحده , وهي تواجه الهول الرهيب: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} ..
هكذا .. {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} .. وهو تعبير يصور مشهد الصبر فيضًا من الله يفرغه عليهم فيغمرهم , وينسكب عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالا للهول والمشقة. {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} فهي في يده - سبحانه - يثبتها فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد {وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} .. فقد وضح الموقف .. إيمان تجاه كفر. وحق إزاء باطل. ودعوة إلى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين. فلا تلجلج في الضمير , ولا غبش في التصور , ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق.
وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ} .. ويؤكد النص هذه الحقيقة: {بِإِذْنِ اللهِ} .. ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علما. وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون , ولطبيعة القوة التي تجريه .. إن المؤمنين ستار القدرة ; يفعل الله بهم ما يريد , وينفذ بهم ما يختار .. بإذنه .. ليس لهم من الأمر شيء , ولا حول لهم ولا قوة , ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته , فيكون منهم ما يريده بإذنه .. وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين .. إنه عبد الله. اختاره الله» [1] .
أما العبرة الكلية للقصة ففيها يقول سيد قطب:
«العبرة الكلية التي تبرز من القصة كلها هي أن هذه الانتفاضة - انتفاضة العقيدة - على الرغم من كل ما اعتورها أمام التجربة الواقعة من نقص وضعف, ومن تخلِّي القوم عنها فوجًا بعد فوج في مراحل الطريق - على الرغم من هذا كله .. فإن ثبات حفنة قليلة من المؤمنين عليها قد حقق لبني إسرائيل نتائج ضخمة جدا .. فقد كان فيها النصر والعز والتمكين, بعد الهزيمة المنكرة, والمهانة الفاضحة, والتشريد الطويل، والذل تحت أقدام المتسلطين» .
إنسانية الممارسة السياسية:
وتعني ما يتعلق بالجانب الإنساني في الممارسة السياسية، وتتلخص في:
الوطنية:
والمفهوم الوطني في التصور السياسي الإسلامي يتحدد في عدة عناصر:
-العنصر الأول: الإقرار بالإحساس الطبيعي للإنسان تجاه الوطن الذي نشأ فيه، وهو ما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة؛ فقال مخاطبًا لها:
«ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» [2] .
ففي هذا الحديث كان الخطاب من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ومعنى ذلك شدة العاطفة نحوها، وفيه الإقرار بأنها أطيب البلاد، حتى لا يفهم الخروج منها بأنه تحول عنها، ولكنه كان تصرفا اضطراريًّا ..
-العنصر الثاني: أن حب الوطن هو السعي لمصلحته، وأن تكون كلمة الله هي العليا فيه، وهذه هي مصلحته العليا ..
وهذه المصلحة العليا لا تقف عند حد النجاة من النار في الآخرة، بل تتضمن الرخاء في الدنيا والرغد في العيش:
(1) في ظلال القرآن.
(2) سنن الترمذي (5/ 723) .